ج3/ماهي الأنثروبولوجيا الاجتماعية وما ميادين دراستها ومن هم الباحثون العراقيون والأجانب البارزون فيها؟


إذن، الأنثروبولوجيا الاجتماعية (أو علم الإنسان الاجتماعي) هي فرع من علم الإنسان يدرس المجتمعات والثقافات البشرية من منظور مقارن. تهتم بفهم كيفية تنظيم البشر لحياتهم، تفاعلهم داخل المجموعات، ومعتقداتهم، وتتخصص في تحليل النظم الاجتماعية مثل: القرابة، الاقتصاد، السياسة، والدين..

الركائز الأساسية للأنثروبولوجيا الاجتماعية تقوم على العمل الميداني: تعتمد بشكل أساسي على عموميات "الإثنوغرافيا (Ethnography) بصفتها دراسة وصفية للمجتمعات وهو ما يُعرف بـ "الوصف السلالي" أو "الدراسة الوصفية للمجتمعات" وتعتمد غالبا المنهج البحثي الأساسي والعمود الفقري للأنثروبولوجيا، عبر المعايشة طويلة الأمد وملاحظة المشاركين في الجهد الدراسي.

الفرق الجوهري بين علم الاجتماع وعلم الإنسان الاجتماعي يكمن في نشأة كل منهما، ونوع المجتمعات المدروسة، والمنهجية المتبعة.

معلومات تاريخية

يوجد لعلم الإنسان الاجتماعي جذور تاريخية في عدد من المناهج في القرن التاسع عشر، بما في ذلك علم الأعراق ودراسات الفلكلور والأدب الكلاسيكي، وغيرها. ولكن الأنثروبولوجيا الاجتماعية الناضجة هو العلم الذي يدرس البنى الاجتماعية، والعلاقات بين الأفراد والمجموعات، والمؤسسات التي تنظم الحياة البشرية في المجتمعات (مثل الأسرة، القبيلة، الدين، القانون، والاقتصاد)، بهدف فهم كيفية عمل هذه المجتمعات، وكيف يبني الإنسان نظامه القيمي وسلوكه اليومي من خلالها. فإذا كان علم التاريخ يدرس ما حدث في الماضي، وعلم الاجتماع يدرس الظواهر والمشكلات في المجتمعات المعاصرة، أما الأنثروبولوجيا الاجتماعية فتدرس بشكل خاص ودقيق آلية نسج العلاقات البشرية وصناعة الثقافة اليومية وتوارثها.

إليك أبرز هؤلاء العلماء والكتاب العراقيين والأجانب الذين وثَّقوا حياة وأعراف المجتمع العراقي وخصوصا الجنوبي:

1-فيلفريد ثيسيجر - المعروف بـ "مبارك بن لندن". وهو رحالة وأنثروبولوجي بريطاني شهير. عاش في أهوار جنوب العراق (العمارة والناصرية) لعدة سنوات في خمسينيات القرن الماضي. أشهر كتاب له في هذا المضمار هو "عرب الأهوار". وثق فيه بدقة متناهية وصفية سطحية غالبا أسلوب حياة "المعدان"، وطريقة بناء المضايف العريقة من القصب منذ عهود ما قبل الأكدي وعادات الصيد، والروابط العشائرية، ونظام القهوة والمجالس هناك..

2-غافين ماكسويل وهو رحالة كاتب رافق ثيسيجر في رحلاته. كتابه الشهير: "قصبة في مهب الريح " وتضمن توثيقا أدبيا وأنثروبولوجيا شاملا ودقيقا لحياة سكان أهوار جنوب العراق (المعدان) وبيئتهم الفريدة في خمسينيات القرن الماضي.

3- الليدي آن بلنت: مستشرقة بريطانية زارت المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر (1878-1879).. كتابها الشهير "قبائل الفرات البدوية". زارت العشائر القاطنة على طول نهر الفرات في العراق وسوريا. وصفت بدقة متناهية نظم الفروسية، الأهازيج، شجاعة البدو، ونظام القضاء العشائري، ومكانة المرأة البدوية التي كانت تقود المقاتلين ويُنتخى بأسمائها.

4- الدكتور علي الوردي (عالم الاجتماع العراقي الأبرز) على الرغم من أنه عالم اجتماع، تخصص في علم الاجتماع التأريخي إلا أن دراساته اعتمدت بشكل عميق على أدوات الأنثروبولوجيا الثقافية. على الرغم من أن موسوعته الأبرز "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث" تبدو في ظاهرها سرداً تاريخياً (تاريخ اجتماعي)، إلا أن علي الوردي لم يكن مؤرخاً يكتفي بجمع الحوادث بل يحاول تفسيرها إنثروبولوجيا.

5- شاكر مصطفى سليم: أنثروبولوجي عراقي رائد، نال دكتوراه الأنثروبولوجيا من جامعة لندن. دراسته الشهيرةعن هور "الچبايش". تعتبر هذه الدراسة من أدق الدراسات الأنثروبولوجية الأكاديمية (المعايشة بالمشاركة)؛ حيث عاش في قرية "الچبايش" بالجنوب، ودرس بدقة الهيكل الاقتصادي والطبقي والقرابي، وكيف يُعاد إنتاج القيم العشائرية وتوزيع المكانة الاجتماعية داخل المضيف.

هؤلاء الباحثون أثبتوا للعالم أن الأعراف العراقية ليست مجرد سلوكيات عابرة، بل هي أنساق ثقافية بالغة التعقيد والعمق.

ومن الجيل الجديد من الباحثين العراقيين في ميدان الانثروبولوجيا الاجتماعية هناك أسماء عديدة منها: لاهاي عبد الحسين، د.علي طاهر الحمود، معتز عناد غزوان.

وهناك باحث عراقي مهم في هذا الميدان هو الأستاذ سعدون ضمد وله دراسات ومحاضرات عن طقوس وشعائر الحزن الحسينية ورثاء الموتى من قبل نساء متخصصات "النعايات / النواحات/ العدادات". ومساهمات ضمد مهمة مضمونيا وجديدة في تقنياتها وأدواتها التحليلية وقد نقلت البحث الأنثروبولوجي في العراق إلى مستوى "تأويلي" عميق، وتحديداً في مجالي أنثروبولوجيا الوعي وأنثروبولوجيا الطقوس والشعائر.

دراساته في هذا المضمار تُشكل مراجع استثنائية لأنها تدرس "المسكوت عنه" ثقافياً واجتماعياً، ولا سيما نتاجه الأكاديمي والفكري البارز في كتابه الشهير:

"النحت على صخرة الموت: قراءة أنثروبولوجية تأويلية في شعر النعي لنساء جنوب العراق". يركز سعدون محسن ضمد في مشروعه على زوايا أنثروبولوجية غاية في الأهمية والعمق. وفي محاضراته ودراساته، لا ينظر إلى شعائر الحزن وطقوس العزاء (المجالس والمواكب) كظواهر دينية مجردة، بل يدرسها كـ "بنى رمزية وثقافية" تحرك الوعي الجمعي لناس الحاضنة المجتمعية المعنية.

على الرغم من أن علم الأنثروبولوجيا الاجتماعية واجه تحديات أكاديمية في العراق خلال العقود الأخيرة بسبب الظروف السياسية والأمنية وبسبب انتشار التعليم الجامعي "الدكاكيني" البائس حيث أصبح الحصول على الشهادة العلمية يساوي المال الذي ينفقه الطالب على الأقساط الدراسية فيتخرج وهو أجهل مما كان حين دخل المعهد أو الكلية الأهلية، رغم كل ذلك يوجد اليوم جيل من الباحثين العراقيين المعاصرين (أكاديميون وكتاب) وهم على قلتهم، يبذلون جهوداً كبيرة لإعادة إحياء هذا العلم وتطبيقه لفهم التحولات العميقة في المجتمع العراقي اليوم. كما توجد مؤسسات ومراكز بحثية عراقية رائدة في هذا الميدان العلمي شديد الأهمية. وتؤدي بعض المراكز المستقلة والجامعية دوراً كبيراً اليوم في رعاية البحوث الأنثروبولوجية والاجتماعية الميدانية النظيفة "غير المدعومة من جهات غربية مشبوهة" وخصوصا في أقسام علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في الجامعات: (مثل جامعة بغداد، المستنصرية، القادسية، وذي قار)، حيث تشهد هذه الأقسام في السنوات الأخيرة طفرة في رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه التي تدرس أنثروبولوجيا "الأهوار"، و"المضايف"، وتأثير التكنولوجيا الحديثة على السَّنع والأعراف العشائرية.

في الجزء القادم من هذه المقالة سنحاول تبسيط هذا التعريف العلمي للإنثروبولوجيا الاجتماعية وتفكيكه، ونشرح أركانه الأربعة الأساسية ونتناول بعض الأمثلة التطبيقية ومنها دلالات وقوانين تقديم القهوة العربية في المضافة القبيلة "المُضيف" ودلالات الانتخاء بالأخت من قبل فرسان القبيلة والعشيرة العربية العراقية ومقاتليها في معاركها وفي التحديات التي يواجهها الفرد العشائري في حياته اليومية.

ما هي قوانين و"سَنَع" تقديم القهوة العربية وما معنى "السنع" وكيف تفسر وتقرأ أنثروبولوجياً؟ لكي نفهم ماهية هذا العلم ينبغي أن نبدأ من التعريف القائل؛ لما كانت الانثروبولوجيا منفردة تعني علم الإنسان، أو "علم الإناسة"، ولما كانت السوسيولوجيا (Sociology) أي علم الاجتماع (يُعنى بشؤون المجتمعات الإنسانية)، فإن جمع هذين العِلْمين في علم تخصصي واحد سيعني في ما يعني من حيث الجوهر علم الانسان الاجتماعي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة