ج4/ أركان الانثروبولوجيا الاجتماعية الأربعة 

 وتطبيقاتها لتفسير "سَنع الدلة والفنجان" والفرق بين القبيلة والعشيرة وبين الشرف والعِرض:



لنبدأ بتسجيل الفرق التعريفي بين القبيلة والعشيرة. فالقبيلة لغةً من "القَبْل" أو "التَّقابُل"، ويرى باحثون آخرون أنها مأخوذة من قبائل الرأس (عظامه المتصلة)، أو قبائل الشجرة (غصونها المتفرعة). وتُطلق على الجماعة التي تجتمع وتتألف من عدة فروع أو جماعات.

أما العشيرة فهي لغةً، من العدد "العشر" أو من "المَعْشَر". وتعني الجماعة القريبة أو الأهل والمعارف الذين يلتف بعضهم حول بعض وتشتد بهم الكثرة. وتُطلق على "آل بيت الرجل" وأقربائه الأدنين.

التعريف الاصطلاحي للقبيلة هي كيان اجتماعي واقتصادي وسياسي واسع، يضم عدداً كبيراً من الأفراد يتوزعون في مناطق متعددة، ويرجعون في أصولهم إلى جد أعلى واحد، أو يجمعهم حلف قبلي تاريخي. والقبيلة من حيث ترتيبها الهرمي تأتي في المرتبة العليا بعد "الشعب"، وتتكون القبيلة من عدة عمائر وبطون وعشائر.

أما العشيرة اصطلاحاً فهي مجموعة بشرية أصغر وأكثر قرباً من الناحية الجينية والاجتماعية، وتشمل أبناء العمومة والأقارب المباشرين للرجل (الأصول والفروع). تقع في مرتبة دنيا من القبيلة، وغالباً ما تتكون من عدة أفخاذ أو فصائل. والترتيب الهرمي لهذه الوحدات الاجتماعية هو من الأعلى إلى الأدنى:

 1. الشعب (مع ضرورة التفريق بينه وبين الأمة بالمعنى السياسي الحديث)

2. القبيلة

3. العمارة

4. البطن

5. الفخذ

أما علم الأنثروبولوجيا الاجتماعية فيدرس العشيرة ولكن ليست كشكلٍ بدائي من أشكال التجمع البشري يزول تلقائياً، بل هي نسق اجتماعي مرن وحيوي، يمتلك آلياته الخاصة في تنظيم السلطة، والثروة، والمعنى وهذا العلم يدرسها من حيث؛

1-القرابة كآلية للتنظيم السياسي والقانوني

2-العشيرة كوحدة اقتصادية تضامنية (ما يذكرنا بمقولة حنا بطاطو عن اقتصاد الديرة المشاعي)

3-تحالفات المصاهرة عن طريق التزاوج

4--الطقوس والشعائر والرموز (اللاوعي الجمعي) عبر دراسة "الـتوتَمية" (في بعض المجتمعات البدائية حيث تقدس العشيرة رمزاً حيوانياً أو نباتياً يمثل جدها الأعلى)، أو دراسة طقوس وشعائر العزاء، والاحتفالات، والقصص الأسطورية المروية عن الأجداد، التي تهدف جميعها إلى إعادة إنتاج شعور الأفراد بالانتماء للهوية المشتركة. وهذا ما يسمى أكاديميا "الرأسمال الرمزي" (Symbolic Capital).

5-التحول المعاصر للعشيرة

بالعودة إلى محاولة تبسيط تعريف علم الأنثروبولوجيا الاجتماعية لأنه متداخل مع علوم أخرى فعلينا معرفة أركانه التي يقوم عليها فذلك قد يغنينا عن دراسة عشرات المجلدات النظرية. وهنا سنجد أن هذا العلم يرتكز على أربعة أركان أساسية:

1- دراسة "العيش المشترك" والعلاقات: لا يدرس هذا العلم الفرد كحالة معزولة (فهذا شغل علم النفس)، بل يدرس الفرد داخل المجموع. كيف يتعامل الرجال والنساء؟ كيف تدار العلاقات بين العشائر؟ كيف يُترجم الاحترام (مثل تقبيل الكتف) أو الخلاف اجتماعيّاً؟

2- دراسة النظم غير المكتوبة "الأعراف": في المجتمعات التقليدية، قد لا توجد قوانين مدنية مكتوبة، لكن توجد أعراف وسنع (مثل سنع الدلة والفنجان، أو قوانين الفصل العشائري).

معنى "السنع" وانتقالها الدلالي من الفصيح إلى اللهجات:

مفردة "السنع" المستخدمة في لهجات العراق والجزيرة العربية وقليلة الاستخدام في بلاد الشام ربما بسبب تراجع حضور المجتمعات القبلية والعشائرية لمصلحة حضور الدولة، تعني القواعد الصارمة والآداب المتوارثة لكيفية تقديم القهوة العربية، مثل مَسْك الدلة باليد اليسرى وتقديم الفنجان باليد اليمنى، والبدء بصب القهوة للضيف الأكبر سناً أو الأكثر قدراً. وقد يتعدى معناها ذلك فهي كلمة عربية فصيحة وقديمة، نادرة الاستعمال في المعجم اليومي غير العشائري، ولها ثلاثة معانٍ رئيسية ترتبط جميعها بالجمال، الارتفاع، والليونة الفطرية:

1. الجمال والحُسن: يُقال في الفصحى «سَنَعَ سَنَاعَةً» أي جَمُلَ وحَسُنَ. والرجل السَّنِيع هو الوسيم الجميل، والمرأة السَّنِيعَة هي الجميلة لطيفة العظام. وفي العامية العراقية الجنوبية يقولون، وقد سمعتها بنفسي: "فلان مْسَنَّع وما به عيب"!

2. الطول والارتفاع والرفعة: يُقال «شَرَفٌ أَسْنَعُ» أي شرفٌ رفيع عالٍ ومرتفع، ويُقال «أَسْنَعُ منه» أي أفضل وأطول وأشرف.

3. المرونة واللين (في المفاصل خصوصا): «السِّنْعُ / بكسر السين لا بفتحها» لغةً هو الرُّسْغ أو المفصل الذي يصل ما بين الأصابع والكف، والمقصود به التناسق اللين في الحركة. ومن البين أن الرابط البلاغي بين الأصل الفصيح والاستخدام الشعبي في "سنع الدلة" أو "شخص سنع") وثيق جداً؛ فالمجتمعات العربية استعارت صفة «الحُسن والجمال والرفعة ولين المفاصل» الحسية من الفصحى، لتطلقها مجازاً على «حُسن التصرف، وجمال الأخلاق، واللين واللباقة في التعامل» في السلوك الاجتماعي اليومي.

والأنثروبولوجيا الاجتماعية تدرس هذه الأعراف ومنها السَّنع والنخوة وتقبيل يد الرجل ورأس المرأة وانتخاء العشائري بأخته الرمزية العشائرية وعقوبات الفصل، تدرسها كأنظمة قانونية بديلة لقوانين الدولة الحديثة لتحافظ على تماسك المجتمع وتمنع انهياره وخصوصا حين تضعف الدولة أو تخضع سيادتها لدولة أجنبية أو تغيب تماما. وقد مرَّ العراق في هذه الحالة في عهد الاحتلال الفارسي لعدة قرون وبعده الاحتلال التركي العثماني لأربعة قرون أيضا.

فقد كان المحتل يكتفي بالسيطرة على مدن العراق الرئيسة الثلاث بغداد والموصل والبصرة ويترك باقي العراق لتحكمه "الدولة الجوانية القاعدية" كما يسميها الصديق الباحث عبد الأمير الركابي وله تنظيرات مهمة حول موضوع الدولة البرانية والدولة الجوانية. أما حنا بطاطو في ثلاثيته الرائدة حول المجتمع العراقي فيسمي المجتمع العشائري "مجتمع الديرة المشاعي" وهو مجتمع قائم على اقتصاد مشاعي أو شبه مشاعي ومسلح جيدا بأسلحة متناسبة مع طبيعة العصر ومدار بدقة من قبل مؤسسة المضيف "المضافة العربية التقليدية".

يمكن أن نضيف إلى قائمة من اهتموا وكتبوا في الجنبة الفولكلورية والثقافية من الأنثروبولوجيا الاجتماعية للمجتمع العشائري العراقي الكاتب الراحل شمران الياسري (أبو كاطع) العارف المدقق بعادات وتقاليد الريف العراقي والذي امتاز بكتاباته الساخرة والناقدة للسائد والأنظمة الحاكمة. وفي كتابات الياسري نجد كنزا عظيما من الثقافة الشعبية للمجتمع العشائري وتقاليده وسرديته الحكائية.

3- منهجية "المعايشة والملاحظة بالمشاركة

هذا ما يُميز الأنثروبولوجيا عن علم الاجتماع التقليدي. عالم الأنثروبولوجيا لا يكتفي بتوزيع استبيانات أو قراءة كتب، بل يعيش داخل المجتمع لفترات طويلة (في المضيف، في القرية، مع القبيلة)، يشرب قهوتهم، يحضر مجالس صلحهم، ويراقب سلوكياتهم اليومية عن قرب ليفهم الثقافة من الداخل (كما فعل الباحثون الذين درسوا عرب الأهوار أو عشائر الفرات).

4- البحث عن "المعنى الخفي" وراء السلوك

تبحث الأنثروبولوجيا الاجتماعية أولا ودائماً عن الإجابة على سؤال السبب "لماذا؟". فعلى سبيل المثال، حين نتساءل لماذا ينتخي الرجل العشائري بأخته ويهتف في الملمات "أنا أخو فلانة"؟ نجد ان الجواب يذهب إلى أن الأخت هنا ليست مجرد قريبة سواء كانت أخت حقيقية أو مجازية في هذه الصرخة، بل هي رمز لتحالف ما يمكن ان نسميه "الشرف الجمعي" الذي يربط أبناء القبيلة ببعضهم ببعض برباط وثيق من وجوب التضحية للحفاظ على سلامة وأمن الجماعة القبلية، والانتخاء هنا بالأخت يضمن تحريك "الغيرة" العزيمة القتالية للدفاع عن الكيان الاجتماعي كله وعن شرف هذا الكيان ممثلة بالحفاظ على عفاف الأخت الذي هو عِرض المجموعة. ومعلوم أن العرض يختلف تماما عن الشرف.

الشرف والعرض: فالشرف لغةً مأخوذ من "الشرَف" وهو الموضع العالي الذي يُشرف على ما حوله، ويفيد العظمة، والمجد، والعلو، والرفعة. هو موضع المدح والذم من الإنسان، سواءً في نفسه، أو في أهله وسلفه. واصطلاحاً هو ما يفتخر به الإنسان من صفات، ونفسه، وحسبه، وسلوكه، وعفته، وما يتعلق بأهله ومحارمه مما يُصان عن الطعن والادعاء الباطل (كالقذف والغيبة).

مفهوم الشرف أعم وأشمل من العرض؛ فهو وصف عام لمناحي الحياة كافة (كالصدق، والأمانة، والعقل، والأدب، والمكانة الرفيعة بين الناس).  

وعلى هذا فالعِرض جزء من الشرف؛ والشرف مظلة واسعة تشمل الأخلاق والخصال الحميدة كلها، بينما العِرض يتخصّص أكثر بالنفس والسمعة والعفة وموضع المدح والذم. وهما متلازمان وصنوان لا يكادان يفترقان، فإذا صُنِع العرض وحُفظ تمّ الشرف، وإذا ثُلِم العرض ضاع الشرف.

ولكن ثمة تغير جوهر حدث في هذا الميدان التعريفي في القرون القليلة الماضية ففي العرف واللغة الدارجة استقر مفهوم العِرض ليصبح لصيقاً بـ "بالعفة الجنسية" وسمعة المرأة وأهلها. لذلك، عندما يُذكر "هتك العِرض" أو "الدفاع عن العِرض"، ينصرف الذهن مباشرة إلى هذا الجانب تحديدا وقبل غيره من جوانب. في المقابل، يُنظر إلى الشرف كأصل عام يشمل شرف الكلمة، والأمانة المالية، والنزاهة المهنية، والشرف الجسدي أيضاً.

إذا عدنا إلى المعاجم القديمة (مثل لسان العرب)، نجد أن مفهوم العِرض في أصله اللغوي كان أكثر حداثة وأوسع مدىً من مجرد الجانب الجنسي. العِرض عند العرب قديماً هو موضع المدح والذم من الإنسان عموماً. فإذا شتم شخصٌ آخرَ في نسبه أو كرمه أو شجاعته، يقال "شتم عِرضه".

الشرف: هو الحسب والرفعة والعلو. أما في عصرنا ولنكن أكثر تحديدا منذ بداية القرن التاسع عشر فإن العِرض أصبح يُمثل حصرا "الشرف الجنسي والسمعة العائلية"، بينما الشرف هو المظلة الكبرى التي تشمل كل المبادئ الأخلاقية (من أمانة، وصدق، وعفة جنسية).

نقول باختصار شديد: إذا كان علم التاريخ يدرس ماذا حدث في الماضي، وعلم الاجتماع يدرس الظواهر والمشكلات في المجتمعات الحديثة، فإن الأنثروبولوجيا الاجتماعية تدرس آلية نسج العلاقات البشرية وفحص طبيعتها ومكوناتها وكيفية صناعة الثقافة اليومية وطرق توارث هذه الثقافة. فكيف يفسر علم الأنثروبولوجيا الاجتماعية هذه الظواهر كأصول تقديم القهوة وفق بروتوكولات موروثة ورسائل تقديم إيمائية ويضعها في سياقاتها المحددة اجتماعيا وتاريخيا وثقافيا؟ هذا ما سنحاول التطرق إليه في الجزء القادم من هذه الدراسة.

*الصورة الثانية لسيدة عراقية جنوبية من سكان الأهوار في ثلاثينات القرن الماضي واسم المصور غير مذكور في المصدر التواصلي.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة