ج1/ تطبيقات أولية في الأنثروبولوجيا اجتماعية

 


سمعتُ قبل مدة مثلاً شعبياً مصرياً يقول "هَبْلَة ومَسْكوها طبلة". وعندها تذكرت مثلا عراقياً جنوبياً شبيها بهذا المثل من حيث الشكل والأسلوب مع اختلاف نوعي مضموني. إنه المثل الجنوبي القائل "مسودن وبيده فالة". و"المسودن" هو الشخص المخبول أو للدقة كما عرفت الكلمة في معجمي "معجم اللهجة العراقية"، وكما فسرها المعجمي الشيخ جلال الحنفي قبلي في معجمه هو الشخص المصاب بالسوداء. والسوداء مرض نفساني يؤدي إلى فساد الفكر في حزن واكتئاب. وهذه متلازمة اكتئابية محددة تتمثل بحالة مزاجية سوداوية ودرجة من الحزن العميق والأسى وفقدان الأمل وتسمى أيضا "المنخوليا الاكتئابية".

عجمه هو الشخص المصاب بالسوداء. والسوداء مرض نفساني يؤدي إلى فساد الفكر في حزن واكتئاب. وهذه متلازمة اكتئابية محددة تتمثل بحالة مزاجية سوداوية ودرجة من الحزن العميق والأسى وفقدان الأمل وتسمى أيضا "المنخوليا الاكتئابية".

أما "الفالة" فهي آلة صيد أسماك رافدانية قديمة قد تعود إلى عصور الحضارات الأولى في العراق القديم، وتصلح للاستعمال كسلاح فردي بدائي أيضا فهي على شكل رمح ثلاثي أو خماسي (بثلاثة أو خمسة أسنة مُروْشنة أي ذات زوائد من جانبي السنان بالاتجاه العكسي له لتثبيته في جسم الهدف)، وتتصل الأسنة (الشاخات) كما يسمونها بقضيب حديدي يسمى "السِّنَخ"، ويُثبّت هذا الرأس الحديدي في نهاية قصبة غليظة صماء غالبا وطويلة تُجلب من مناطق الأهوار. وقد اشتهرت هذه الآلة حين استعملها الثوار في ثورة العشرين الكبرى كسلاح أبيض في معاركهم ضد قوات الاستعمار البريطاني. 

لنحاول تفحص الفارق النوعي الانثروبولوجي الاجتماعي بين المثلين الشعبيين السالفين وهنا يمكننا أن نتأكد من صحة الخلاصة القائلة إن الأمثال الشعبية هي بنت بيئتها الاجتماعية والطبيعية بوصفها عصارة التجربة الإنسانية في تلك البيئة.

فإذا كان المثل الشعبي المصري يمتاز بخفة الدم ويحيل إلى نوع خفيف من البهجة التي قد تنم عن إمساك الهبلة - وهي معجميا؛ المرأة التي فقدت عقلها، ولكنها في اللهجة العامية أقل وطأة من فقدان العقل وقد تعني خفيفة العقل - إمساكها بالطبلة والضرب عليها كيفما اتفق وبنوع من الفوضى والمبالغة وعدم الانتظام إلى درجة تبعث على الانزعاج. أما المثل العراقي فهو لا يقود إلى موسيقى طريفة مضطربة بل إلى التحذير من احتمال إقدام "المسودن" على قتل أحدهم بالفالة التي أمسك بها. المثل هنا يفيد التحذير من تسليح الشخص غير الموثوق والذي لا يمكن السيطرة عليه أو هو لا يمكنه السيطرة على نفسه!

*ومن الأمثال الشعبية السائرة اللافتة والجديرة بالانتباه والدراسة الانثروبولوجية الاجتماعية لغناها وعمقها المضموني هذا المثل اللبناني. وقد سمعته قبل أيام من سياسي لبناني وقد يكون المثل شاميا يقال في سورية وفلسطين والأردن: "قالوا له صباح الخير يا أقرع، فرد عليهم: إجا باب المشكل"!

حين سألت الذكاء الاصطناعي (IA) عن دلالات هذا المثل أجاب إجابة غير دقيقة فقال: "يُضرب هذا المثل للشخص المتشائم أو الحساس جداً، الذي يتصيد الكلمات ويفسر حتى التحية الطيبة (صباح الخير) على أنها سخرية مبطنة وإهانة لصلعته، فيعتبرها بداية لشجار أو "مشكل".

فرددت عليه مصححاً: بل أعتقد أنه يضرب لمن يريد أن يقول خيراً ولكنه يدس فيه بعض التعريض اللئيم بدليل وجود كلمة "أقرع".. أي أنه يبادر إلى إلقاء التحية ولكن بعبارة فيها تذكير للآخر بصفة تؤذيه أي بأنه أقرع.

فعلق الـ (IA) معترفاً بخطئه على عكس ما يفعل بعض البشر المتعالمين وقال: "هذه قراءة ذكية وعميقة جداً للمثل، تكشف عن وجه آخر لا يقل أهمية في العلاقات الاجتماعية، وهو "المدح المبطن بالذم" أو ما يُعرف شعبياً بـ "التلطيش".

وفي المناسبة حدثت لي أمور طريفة مع هذا الذكاء الاصطناعي سأروي بعضها في سياقها الخاص انتهت بأني فقدت الثقة في معلوماته في المجالات الدقيقة والتخصصية في ميادين معينة وأصبحت لا آخذ بما يصدر عنه إلا بعد تردد وفحص وتدقيق بوسائل أخرى. ولما لم أكن قد سمعت عن كلمة " التلطيش" فقد بحثت عنها ووجدت أنها كلمة عامية لها معانٍ عديدة ومختلفة منها:

-السرقة والاختلاس وهو المعنى الأكثر شيوعاً، ويُقال "لطش المحفظة" أي سرقها بسرعة وخفية.

- الضرب بـكف اليد وهو قليل الاستعمال نحو يُقال "لطشه كف" أو "لطشة قلم" أي ضربه على وجهه أو جسده بيده.

-الجنون الخفيف أو التصرف الغريب: يُقال في اللهجات الشامية "عقله لاطش" أي أنه يتصرف بلا وعي أو يمزح بطريقة ثقيلة.

- الإصابة بـبرد أو شمس وهذا المعنى نادر الاستعمال كما يبدو.

وقد انفردت العامية العراقية على حدِّ علمي بمعنى آخر يأتي في سياق أعمال البناء فيقولون " لطشنا الحايط بالطين أو الجص" لجعله أملساً مستوياً.

وعند البحث عن معنى جذر "لطش" الثلاثي في معاجم الفصحى القديمة نجده في " مستدرك تاج العروس" للزبيدي: "اللطش: الضرب بجُمْع اليد، والطعن". وهذا المعنى ليس بعيدا عن المعاني السالفة العامية. ونجد المعنى نفسه تقريبا في كتاب محيط المحيط لبطرس البستاني: "لطشه يلطُشه لطشاً: ضربه بيده، وتلاطشوا: تضاربوا بالأيدي".

أما المعنى الذي ورد في تعليق الذكاء الاصطناعي في سياق الكلام عن هذا المثل الذي يفيد المدح بما يشبه الذم فلم يرد بين هذه المعاني ولكني لا أستبعد وجوده به.

شرح المثل: في هذا التفسير الذي ذكرتَه، وخلاصته محاولة دس التعريض اللئيم بدليل وجود كلمة "أقرع" في قول يراد بظاهره الخير. أي أن الشخص يبادر إلى إلقاء التحية ولكن بعبارة فيها تذكير للآخر بأنه أقرع. ينتقل اللوم من الشخص (الأقرع) إلى الشخص (المُحيّي)؛ فالذي ألقى التحية لم يكن بريئاً تماماً، بل تعمد استخدام كلمة "يا أقرع" ليجرح الشخص أو يذكره بعيب فيه تحت غطاء السلام والمجاملة (صباح الخير). لذلك، تكون ردة فعل الأقرع ("إجا باب المشكل") ردة فعل واعية ومبررة، لأنه فطن إلى اللؤم والخبث المغلف بالتحية، وعرف أن المتحدث لا يريد السلام بقدر ما يريد استفزازه وفتح باب للمشاحنة. ومن هذا القبيل هناك مثل شامي آخر يقول: "تحت البراقع سم ناقع"!

ما تقدم مجرد مقدمة أو تمهيد يمكن لنا أن نبني عليها مجموعة من الفرضيات الانثروبولوجية الاجتماعية وهذا شأن آخر يحتاج إلى المزيد من البحث المتعمق ونكتفي بهذه المقدمة على سبيل التمهيد وتقديم المشهيات. ولكن ماهي الأنثروبولوجيا الاجتماعية، ما الفرق بينها وبين علم الاجتماع وعلم الإناسة "الانثروبولوجيا" وما ميادينها، ومن هم علماؤها ومؤسسوها والباحثون العراقيون البارزون فيها؟ هذا ما سنستعرضه معكم في مقالة أخرى قريبا مع أمثلة تطبيقية من حياة الريف العراقي وتقاليد الشعائر ومكانة المرأة. في الجزء القادم من هذه الجولة سنناقش أكذوبة إنثروبولوجية أطلقتها بعض المواقع الاحتيالية على الفيسبوك وتريدنز حول كلمة "عمى" في معلومة نسبتها الى باحثة عراقية معروفة وقالت إنها لا تعني الدعاء على السامع بالعمى بل هي كلمة أكدية تعني "انتبه" ونفسر في ضوء علم الانثروبولوجيا الاجتماعية وعلم النفس الجمعي دلالات ذلك. فهل هذه المعلومة صحيحة أم هي كاذبة ومجرد فبركة من قبل بعض المتعالمين؟ هذا ما سنتوقف عنده في الجزء القادم من هذه المقالة.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة