ج1/حول اعتذار تشومسكي عن علاقته بإبستين:



لم يحظَ بيان الاعتذار الذي أصدرته فاليريا تشومسكي، زوجة العالم الألسني والناشط المناهض للإمبريالية نعوم تشومسكي باسمها وباسم زوجها المريض والعاجز عن الكلام بتغطية إعلامية عادلة ومحايدة تكافئ تلك الضجة التي حظيت بها التقارير الإخبارية العاجلة التي نشرت حول فضيحة وجرائم إبستين، والرد الأولي لتشومسكي حول الموضوع والذي لم يخلُ من التسرع والاستعلائية وقد اعتذر عنه لاحقا. فقد تحدثت بعض التقارير والمقالات وخصوصا في الصحافة الخليجية أو الممولة خليجياً بطريقة اتهامية لا تخلو من الأحكام المسبقة والثأرية من مواقف تشومسكي السياسية النقدية القديمة والمناهضة لأنظمتهم الحاكمة الاستبدادية التابعة للغرب.  

العالم المرموق حين يخطئ

سنحاول في هذا النص تسليط الضوء على هذه القضية، وتحديدا على المفصل الخاص بعلاقة آل تشومسكي بإبستين. منطلقين من مبدأ يُعلي من شأن الحقيقة أولاً، ويؤكد أن الإنجاز العلمي المرموق لعالم كبير ما، ومواقفه التضامنية الإيجابية مع قضايانا، لا يعني ولا يمكن أن يكون رافعة لتبرئة مسبقة لصاحبها من أي اتهام، لأنهما أمران من طبيعة مختلفة ثانياً.

فالإنجاز العلمي المرموق لتشومسكي، وخصوصاً نظريته الألسنية في "النحو التوليدي" التي عُدَّت ثورة حقيقية في علم اللسانيات الحديث، وكذلك مواقفه السياسية التقدمية تبقى إنجازات باهرة تحمل اسمه، وهي في الوقت نفسه ملك للتاريخ والإنسانية جمعاء ولن تتأثر جوهرياً بما يحدث له شخصياً لاحقاً من ظروف وحوادث عوارض وأخطاء هي ذات طبيعة بشرية أولاً وأخيراً.

يُعَدُّ تشومسكي، إضافة إلى تخصصه العلمي الألسني، مؤرخاً وكاتباً سياسيا نقدياً مهتماً بشكل خاص ومن باب التضامن الأممي بالقضية الفلسطينية وسبق له أن زار قطاع غزة متضامناً وملبياً لدعوة علمية في غزة بتاريخ 18 أكتوبر 2012. ولا يمكن الشطب على إنجازه النظري وممارساته التضامنية بأية طريقة كانت بسبب خطأ شخصي ارتكبه لاحقاً، خصوصاً وأن الرجل ليس متهما وليس مداناً في هذه القضية بل أخطأ في التعامل خلالها مع الشخص المدان واعتذر عن ذلك كما سنبين تفصيلا.

ولتشومسكي في هذا الباب التأريخي النقدي والتضامني عدة كتب مهمة منها كتاب "حول فلسطين  (On Palestine)" بالاشتراك مع المؤرخ الإسرائيلي المناهض للصهيونية إيلان بابيه، وكتاب "أوهام الشرق الأوسط / (Middle East Illusions)"وكتاب "المثلث المشؤوم (The Fateful Triangle)" الذي يُعد من أهم المراجع التاريخية والسياسية التي تفكك العلاقات الاستراتيجية بين أمريكا وإسرائيل وتأثيرها المدمر على الشعب الفلسطيني منذ النكبة وحتى ثمانينيات القرن الماضي. وآخر كتاب له ألَّفه بالاشتراك مع المؤرخ بابيه هو "غزة في أزمة (Gaza in Crisis)" يوثقان فيه مسار العدوان الإبادي والانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين والحصار المفروض على قطاع غزة وتواطؤ السياسة الأمريكية.

من المعلوم أن تشومسكي توقف عن النشاط السياسي والفكري عامة سواء كان ذلك بالكتابة أو عقد اللقاءات والحوارات بشكل نهائي بعد إصابته بالجلطة الدماغية في حزيران - يونيو 2023، وكان حينها قد بلغ الرابعة والتسعين من العمر.

ورغم إصابته بالجلطة الدماغية وفقدانه القدرة على الكلام، ظل تشومسكي ثابتاً في موقعه التضامني مع الشعب الفلسطيني خلال حرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها. فقد ذكرت زوجته فاليريا في حزيران - يونيو سنة 2024، كما نقلت وكالة أسوشتيدبرس، أن زوجها موجود في مستشفى بساو باولو، بعد إصابته بالسكتة الدماغية. وقالت للوكالة إنَّ زوجها ظل يتابع الأخبار القادمة من فلسطين وهو على سرير المرض وعندما يرى صور الحرب والقتل والتدمير في غزة يرفع ذراعه اليسرى في إشارة غضب ورثاء.

الاعتراف بخطأ جسيم في التقدير والتحقق

لنلقِ نظرة على أهم ما ورد في الاعتذار الذي قدمته فاليريا تشومسكي في 7 من شباط / فبراير من العام الجاري:

يمكن الاعتقاد أن العبارة الأهم التي وردت في هذا البيان هي: "لقد كنا مهمِلَين ولم نتحقق بصورة شاملة من خلفيته (إبستين). كان هذا خطأً جسيماً. وعن هذا التقصير في التحقق والتقدير، أعتذر بالنيابة عن كلينا. وقد شاركني نعوم، قبل إصابته بجلطته، أنه كان يشعر بالأمر نفسه". ثم تضيف: "كان من المزعج للغاية لكلينا، أن ندرك أننا دخلنا في علاقة مع شخص قدّم نفسه بصفته صديقاً مساعداً، بينما كان يعيش حياة سرية مليئة بأفعال إجرامية ولا إنسانية ومنحرفة".

وتقول أيضاً: "نعوم وأنا ندرك خطورة جرائم جيفري إبستين، والمعاناة العميقة لضحاياه. وليس في هذا البيان ما يُقصَد به التقليل من تلك المعاناة، ونحن نعرب عن تضامننا غير المشروط مع الضحايا".

والأهم في اعتذار الزوجين تشومسكي إنهما لم يكتفيا بالقول إنهما لم يكونا يعرفان حقيقة إبستين، بل أقرّا صراحةً بأن عدم البحث في خلفيته كان خطأً جسيما. وهذا مهم لأن علاقتهما لم تكن لقاءً عابراً. وفي التفاصيل تسجل فاليريا إنها وزوجها كانا قد "تناولا العشاء في منزل إبستين في نيويورك. وأقاما عدة مرات في شقة عرضها عليهما في نيويورك. وزارا شقته في باريس. وتناولا الغداء في مزرعته في نيو مكسيكو. وحضرا لقاءات أكاديمية واجتماعية متعددة معه". لكنها تؤكد في المقابل أنهما لم يذهبا إلى جزيرته، ولم يشاهدا أطفالاً أو قاصرين في اللقاءات التي حضراها، ولم يشاهدا سلوكاً إجرامياً أو غير لائق منه".

اعتذار حقيقي ولكن

هناك اعتراف مهم آخر ورد في البيان، وفيه تقول فاليريا "إنَّ رد تشومسكي العلني الأول عام 2023، أي بعد إدانة إبستين، لم يكن كافياً في إظهار خطورة جرائم الشخص المدان ومعاناة ضحاياه، لأن تشومسكي افترض أن إدانته لهذه الجرائم مفهومة ضمناً". ثم تضيف إنَّ الموقف كان ينبغي أن يكون أكثر صراحة وحزما". والعبارة الأخيرة توحي بأن السيدة تشومسكي غير مقتنعة تماماً بهذا التفسير لعدم إظهار خطورة جرائم إبستين ومعاناة ضحاياه من قبل تشومسكي "لأنه كان يفترض أنَّ ذلك مفهوم ضمناً". وهو تبرير ضعيف فعلاً ولا يعوَّل عليه كثيراً.

ولكن، كيف فسَّرت فاليريا تقديم تشومسكي النصح إلى إيبستين بأن يتجاهل الهجوم الإعلامي عليه؟ إنها تعلل ذلك بأن إبستين أقنع تشومسكي بأنه يتعرض للاضطهاد بصورة غير عادلة من قبل الإعلام، وأن تشومسكي تحدث متأثراً بتجربته الشخصية في النزاعات السياسية والإعلامية وما لاقاه من اضطهاد إعلامي، وأن إبستين كان قد بنى له "رواية كاذبة ومخادِعة" عن قضيته. وهذا يعني بكل صراحة أن تشومسكي أبدى -للأسف - قدراً كبيراً من حسن النية تقارب السذاجة. ولكن التفسير الذي قدمته الزوجة عموما قابل للتصديق خصوصاً من قبل المطلعين على معاناة تشومسكي مع الإعلام البرجوازي الغربي، ولكنه قد لا يكون تفسيرا مقنعاً لغيرهم.

في تعليلها لسبب تأخرها، هي وزوجها، في إصدار بيان الاعتذار، تبين فاليريا إنَّ زوجها المسنَّ نعوم، يعاني منذ إصابته بجلطة في يونيو/حزيران 2023 من وضع صحي شديد التعقيد، وأنه غير قادر على الكلام أو المشاركة في النقاش العام أو جمع المعطيات والوصول إلى المعلومات الخاصة بالموضوع. لذلك كانت هي المسؤولة عن رعايته، ولم يكن لديهما فريق للعلاقات العامة، بل اعتمدت على نفسها وقدرتها وعلاقاتها الشخصية ولهذا لم تتحدث عن الموضوع تفصيلاً إلا الآن.

وعن بدايات العلاقة بينهما وبين إبستين تقول إنهما تعرفا إليه معا سنة 2015 في إحدى المناسبات المهنية الخاصة بتشومسكي. وإنه قدَّم نفسه لهما بصفته فاعل خير يدعم العلوم، وخبيراً مالياً. وأنه بدأ بعد ذلك في التواصل مع تشومسكي وإرسال الهدايا وخلق فرص للقاءات والنقاشات العلمية. وتقول إنهما يدركان الآن أن ذلك كان جزءاً من أسلوبه في استمالة تشومسكي. وتقول إنهما في السنوات اللاحقة لم يكونا يعرفان بإدانته عام 2008 في فلوريدا، وإن الأمر لم يصبح معروفاً لهما إلا بعد تقرير صحيفة

(Miami Herald) في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 الذي فجَّر الفضيحة من جديد وكان بقلم الصحافية الشجاعة جولي براون.

خلافات عائلية ومبالغ مالية

أما عن المبلغَين من المال اللذين استلمها زوجها من إبستين عبر محاميه، الأول هو عشرون ألف دولار، والثاني 270 ألف دولار، توضح فاليريا أنَّ المبلغ الأول جاء بعد أن طلب "إبستين من تشومسكي أن يصمم له مسابقة علمية في ميدان اختصاصه علم الألسنيات لتكون مسابقة دورية لها جائزة مالية. وقد اشتغل تشومسكي فعلاً على هذا المشروع وأرسل نتائج عمله إلى إبستين الذي ردَّ بعد مدة بإرسال شيكٍ بمبلغ عشرين ألف دولار له كأجر عن العمل الذي قام به. فكان المبلغ المذكور مقابل عمل مهني أكاديمي محدد، وليست استثماراً أو هدية أو منحة مالية شخصية. وقامت جهة مالية قانونية تابعة لإبستين بالتواصل معهما لترتيب إرسال الشيك إلى منزلهما بشكل رسمي، وقد أكدت وثائق وزارة العدل الأميركية التي سُربت لاحقاً هذه المعطيات.

إن هذه الرواية يصعُب الشك بتفاصيلها، فالوثائق والأدلة المعلنة لا تنفي أو تعاكس دوافع وسياق تسديد المبلغ ولكنها قد لا تمنع المتابع المحايد من أن يتساءل عن الدوافع الحقيقية وراء المشروع الذي اقترحه إبستين على تشومسكي، ولماذا لم يشك هذا الأخير بأن تكون له دوافع أخرى له غير الدوافع الأكاديمية؟ 

أما بالنسبة للمبلغ الثاني والبالغ 270 ألف دولار، فهو مبلغ كبير، وربما سيصدم من لا يعرفون شيئاً عن الحالة المالية الجيدة لآل تشومسكي. ويمكن أن نأخذ فكرة واضحة بمراجعة الوثائق المالية التي ظهرت في الملفات التي توضح لنا هذا السياق.

ففي كشف مالي من بين آلاف الكشوفات والوثائق التي أطلقتها وزارة العدل الأمريكية التي تم تسريبها وتداولها على نطاق واسع في أواخر عام 2025 وبدايات عام 2026، يظهر كشفٌ مؤرخ حول نهاية 2017/بداية 2018 الأصول والأرصدة المالية لتشومسكي وزوجته فاليريا وأولاده الثلاثة من زوجته المتوفاة كارول بمجموع يقارب 8.3 (ثمانية ملايين وثلاثمائة ألف) دولار. كما يظهر حساب (IRA) لتشومسكي حيازته لأكثر من مليوني دولار.

إذن، لا يمكن احتساب هذا المبلغ البالغ 270 ألف دولار خارقاً أو مستحيلاً قياساً للوضع المالي لعائلة تشومسكي. ولكن خلف هذا المبلغ يوجد خلاف عائلي مالي قديم بين أفراد عائلة تشومسكي وهذا ما سوف نتطرق إليه بالتوضيح والتفسير النقدي في الجزء الثاني من هذه المقالة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة