ج2/ حول اعتذار تشومسكي عن علاقته بإبستين
إذن، لا يمكن احتساب هذا المبلغ
البالغ 270 ألف دولار خارقاً أو مستحيلاً قياساً للوضع المالي لعائلة تشومسكي.
ولكن خلف هذا المبلغ يوجد خلاف عائلي مالي قديم بين أفراد عائلة تشومسكي..
ويعود إلى قلق زوجته فاليريا على نصيبها ونصيب
زوجها المسن من الأصول المالية للعائلة، التي يعود قسم منها إلى أولاد تشومسكي من
زوجته السابقة الراحلة كارول. وأولاده هم؛ إفيفا تشومسكي الابنة الكبرى ولدت سنة
1957 وهي مناضلة يسارية سارت على خطى والدها في الفكر والنشاط الأكاديمي والتضامن
مع الشعوب وتعمل مؤرخة وأستاذة جامعية متخصصة في تاريخ أمريكا اللاتينية ومنطقة
البحر الكاريبي، ولها عدة مؤلفات حول قضايا الهجرة، والعمالة، والاستعمار، وديانا
تشومسكي التي ولدت سنة 1960 وهاري تشومسكي المولود سنة 1967.
وقد نشأت خلافات بين الأبناء
وأبيهم وزوجته قبل أن يتعرَّف تشومسكي وفاليريا على إبستين. وكان لديهم محامي يشرف
ويتابع قضية أصولهم المالية هو ماكس كوهلنبرغ. وكان هو المسؤول المُعَيَّن
قانونياً لإدارة الصندوق الائتماني العائلي الخاص بزوجة تشومسكي الأولى. وبما أن
الأموال كانت تابعة لهذا الصندوق، وكان كوهلنبرغ هو الشخص الذي يتحكم في توزيعها لضمان
حقوق الأبناء، فقد استعان تشومسكي بإبستين ومحاميه ليساعده في استعادة مبالغ تعود
له ولم يستطع محاميه استعادتها. وهنا تدخل إبستين واستطاع عبر محاميه الجنائي
الشهير ريد وينغارتن ومحاسبه (ريتش كان) أن يستعيد من أموال تشومسكي المعلقة مبلغ
270 ألف دولار.
وقد أقرَّت فاليريا في بيان الاعتذار
الرسمي أن لجوءهما إلى إبستين في ذلك الخلاف العائلي كان "خطأً فادحاً وناتجاً عن سوء
تقدير وسذاجة"، وهذا يوحي أن الملف ترك جرحاً عائلياً وأزمة إرثٍ لم تُحل
بالطريقة التي خططوا لها.
أما تشومسكي فقد أوضح في مناسبة سابقة
أنه هو وزوجته الأولى (كارول) التي تُوفيت عام 2008، لم يعيرا المسائل المالية
اهتماماً كبيراً طوال حياتهما. وعندما قرر في عام 2018 نقل وإعادة هيكلة أصوله
وتوزيع أموال الحسابات المشتركة من زواجه الأول، واجه عقبات وتعقيدات قانونية
وفنية تمنعه من سحب وتوزيع المبالغ بسهولة. لذلك فإن مبلغ الـ 270 ألف دولار، كان بالفعل من أموال
تشومسكي وليس ثروة جديدة منحها له إبستين. ومما
يمنح كلامه صديقية إضافية أن المبلغ الذي استلمه تشومسكي فعلاً هو (269,159) دولاراً
وهو ما يشير إلى أن محامي إبستين قد يكون استقطع جزءاً من المبلغ كأتعاب محاماة أو
استقطاعات إدارية بلغت 841 دولاراً، وهذا الأمر بحاجة إلى الاطلاع التفصيلي على
الوثيقة الخاصة بتحويل المبلغ.
تشومسكي يلتقي بمَن وصفه مجرمَ حربٍ
كشفت الوثائق وجداول مواعيد المدان
إبستين أنه رتب لقاءً جمع بين تشومسكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود
باراك.
وكما تقدم فقد عُرف تشومسكي
بمواقفه الجذرية المناهضة للسياسات الإسرائيلية مثلما عُرف كمؤرخ وكاتب سياسي مهتم
بالشأن الفلسطيني. وقد ذكرنا بعض عناوين كتبه وأبحاثه التاريخية المهمة في هذا
الباب. وعلى هذا يغدو لقاؤه بباراك من دون أن يتنازل عن قناعته السياسية النقدية
ضد هذا الأخير أمراً مبرراً مهنياً من قبله ككاتب ومؤرخ. وفي سياق تعليقه على
اللقاءات التي رتبها إبستين له مع باراك، وصف تشومسكي باراك مرة أخرى بأنه "قائد سياسي قاتل" و "مجرم حرب".
وفي تصريح سابق لصحيفة (The Harvard Crimson) تعليقاً على معرفته بالأشخاص
الذين التقى بهم، قال تشومسكي "لقد التقيت بجميع أنواع البشر، بما في ذلك كبار مجرمي
الحرب، ولا أشعر بالندم على لقاء أي منهم". والمؤكد أنه كان يشير بشكل مباشر إلى باراك وغيره من السياسيين.
وعندما سُئل تشومسكي عن سبب
قبوله الجلوس مع باراك مادام أنه يراه مجرمَ حربٍ، أوضح أن موقفه الثابت هو عدم
مقاطعة اللقاءات السياسية أو الأكاديمية؛ حيث يرى أن "مناقشة القضايا
المصيرية تتطلب التحدث مع صناع القرار الفعليين بغض النظر عن موقفه الأخلاقي أو
السياسي من تاريخهم العسكري". ويبقى هذا رأي تشومسكي الشخصي، وقد نتفق أو
نختلف معه، وأنا شخصيا أختلف معه تماماً. والمهم هنا هو أن تشومسكي لم يتراجع
بفعلته هذه عن مبادئه التضامنية مع الشعب الفلسطيني ولا عن مناهضته لسياسات الكيان
الإبادي ومسؤوليه ومنهم إيهود باراك الذي ظل يصفه بقاتل ومجرم حرب قبل وخلال وبعد
اللقاء به.
خلاصات واستنتاجات
إنَّ الخلاصات التي يمكن أن
نخرج بها من بيان الزوجين تشومسكي الاعتذاري تؤكد لنا إنهما لا يقولان "لم
تكن لنا علاقة بإبستين"، بل يقولان "كانت لنا علاقة شخصية ومهنية
واجتماعية حقيقية به، وكانت أوسع مما ظهر في البداية، لكننا لم نكن نعرف طبيعة
جرائمه، وكان قبولنا لهذه العلاقة وعدم التدقيق في خلفيته خطأً جسيماً نعتذر عنه".
اللافت أن فاليريا لا تنكر
اللقاءات، ولا مبلغ تصميم المسابقة العلمية البالغ الـ 20 ألف دولار، ولا المساعدة
الاستشارية التي قدمها لهما محامو إبستين والمتعلقة باستعادة الـ 270 ألف دولار؛
وإنما تقدم تفسيرا لها وتقول إن إبستين استغل ثقة تشومسكي وحاول استخدام علاقته به
لتحسين صورته عن طريق تقديم هذه الخدمات.
بعد مراجعة بيان الاعتذار
والوثائق التي نشرتها لجنة الرقابة في مجلس النواب والدفعات الأحدث من ملفات وزارة
العدل، إضافة إلى التقارير التي قارنت المراسلات، يمكن وضع القضية بصورة أكثر دقة.
والأهم هنا هو الفصل بين ما تقوله فاليريا، وما تقوله الوثائق نفسها وما لا تستطيع
الوثائق إثباته. وفي تفصيل ذلك نقول؛
إن الوثائق تثبت وجود علاقة
شخصية وفكرية ومالية متواصلة بين تشومسكي وإبستين بعد 2008، وبصورة أكثر حميمة واتساعاً
مما كان معروفاً من تصريحات تشومسكي السابقة. لكنها لا تثبت، في الوثائق التي تمت
مراجعتها، أن تشومسكي شارك في جرائم إبستين أو كان يعلم بتلك الجرائم. وهذا تمييز
مهم جداً حتى لا ينتقل بعض المغرضين من إثبات وجود علاقة إلى استنتاج آخر غير مثبت.
وعلى سؤال "هل كان تشومسكي
وإبستين صديقين؟"، يصف البيان إبستين بأنه
قدّم نفسه كصديق مفيد، وأنه "حاصر" تشومسكي تدريجياً. وفاليريا نفسها
كتبت لإبستين في رسالة: "نحن نعدّك أفضل صديق لنا". ولكن الثابت أن هذه
الصداقة لم تكن قديمة وممتدة فهي لم تستمر لأكثر من أربع سنوات، من سنة 2015
وانقطعت نهائيا سنة 2019 باعتقال إبستين وانكشاف جرائمه ثم موته.
ومع ذلك فإن ما تقوله فاليريا
من إنها وزوجها وقعا في فخ أنشأه إبستين وإنه تلاعب بتشومسكي وخدعه يتناقض شكلياً
في الأقل مع الثقة العالية التي أبداها تشومسكي بإبستين.
من جهة أخرى فالوثائق المنشورة
لا تعطينا أكثر من تأكيد على وجود علاقة وثيقة أكثر مما يوحي به بيان الاعتذار،
ولا تتجاوز ذلك إلى تأكيد وجود ارتكابات مُخِلَّة وإجرامية من قبل الزوجين تشومسكي
أو مشاركة ذات طابع غير قانوني مع إبستين.
فهل كان تشومسكي يعرف حقيقة
إبستين الإجرامية ومتاجرته بالدعارة مع قاصرات؟ هذه أكثر نقطة تحتاج إلى الحذر
والدقة. ففي بيان الاعتذار تقول فاليريا إنهما لم يكونا يعرفان إدانة
2008، وإن إبستين قدّم نفسه بوصفه فاعل خير مهتماً بالعلوم وخبيراً مالياً. وتقول
إنهما لم يدركا "المدى الكامل" لجرائمه إلا بعد اعتقاله الثاني سنة 2019. والوثائق المعلنة
لا تثبت عكس ما تقوله فاليريا، ولا تنفي ما قالته بصورة حاسمة، ولكن خصوم تشومسكي
يؤكدون وجود فجوة ومشكلة زمنية حقيقية:
فتشومسكي لم يكن يتعامل مع
إبستين فقط في 2015 أو 2016؛ بل استمرت مراسلاته حتى 2019، أي بعد ظهور التحقيق الصحافي
المدوي في صحيفة (Miami Herald) عام 2018. فكيف يمكن تفسير ذلك؟
يمكننا أن نستنتج أنَّ الوثائق
التي نشرت وتمت مراجعتها لم تقدم دليلاً واحداً مباشراً أو غير مباشر يقول إنَّ
تشومسكي كان يعلم أن إبستين يمارس الاتجار الجنسي بالقاصرات. لذا، فإن عبارة "لم
نكن نعرف شيئا" على لسان زوجته ستكون فضفاضة قياساً لهذا المعطى؛ أما عبارة "لم
نكن نعرف المدى الحقيقي لجرائم إبستين" فهي أكثر توافقاً مع ما تقوله ومع ما
يمكن إثباته وثائقياً وهذا فرق جوهري.
ليس متهما بل مخطئ اعترف بخطئه
إذا وضعنا بيان الاعتذار
والوثائق جنباً إلى جنب، فإن الوثائق تجعل من الصعب جداً القول إنَّ علاقة تشومسكي
بإبستين كانت مجرد معرفة عابرة أو علاقة مهنية محدودة، بل كانت هناك صداقة وثقة
وتواصل شخصي ومالي مستمر. وهذا أمر اعترف الزوجان تشومسكي بأنه كان خطأ جسيماً، واعتذرا عنه
في بيانهما بكلام صريح وغير قابل للتأويل.
وأخيرا، فالهدف من كتابة هذا
النص لم يكن نفي اتهام معين عن تشومسكي، فالرجل ليس متهماً بأية تهمة من قبل
القضاء في بلده، ولم يبادر إليها على حدِّ علمنا حتى أشرس خصومه السياسيين. ولكن
هذه الحادثة أو العلاقة بحد ذاتها قد تكون تركت أثراً معتماً على الهالة النبيلة
التي أحاطت باسمه وسمعته طيلة عقود، وسهلَّت التشنيع عليه واستهدافه من قبل خصومه
وأعدائه المعروفين للجميع جيداً، بل هي محاولة لمقاربة الحقيقة تسليط الضوء على
تفاصيل هذه القضية عملياً وعَبْرَ أسلوب الشك المنهجي والتساؤلات وإعادة الاعتبار
للوقائع والمعطيات والوثائق وربطها بسياقها الحقيقي. أما الهدف الأعمق غوراً من كل
ما سبق عرضه فهو إنصافُ رجلٍ كان مثالاً في الإنصاف والشهامة عَبْرَ التضامن مع
قضية ومأساة الشعب الفلسطيني طوال أكثر من نصف قرن، وفي هذا الجهد التحليلي
المتواضع بعض الاعتراف بالجميل ومقابلة الإحسان بالإحسان إنما ليس على حساب
الحقائق.
*كاتب عراقي
**رابط يحيل إلى
النص الكامل للمقالة كما نشرت في صحيفة "الأخبار" البيروتية:
https://www.al-akhbar.com/NewspaperArticles/topics-opinions/907475/

تعليقات
إرسال تعليق