ج2/تلفيقات لغوية وإنثروبولوجية في اللهجة العراقية

انتشرت في الأسابيع القليلة الماضية معلومة على مواقع التواصل مفادها أن كلمة (عَمى) التي يقولها العراقي بلهجته المحلية بمعنى الدعاء على سامعها بالعمى إذا تعثر أو اصطدم سهوا بشيء لا تعني هذا المعنى! بل هي كلمة زعموا أنها أكدية تعني "انتبه". ونسبت بعض المواقع الاحتيالية التي يديرها جهلة يبتغون "الطشة" أي الانتشار والحصول على تريندات، نسبت هذه المعلومة إلى د. أميرة عيدان الذهب وهي عالمة آثار عراقية تولت رئاسة الهيئة العامة للآثار والتراث في العراق في السابق..



ومن هذه المواقع والصفحات التواصلية المتخصصة بالفبركة والتحايل والنصب على البسطاء بهدف الانتشار وإحراز التريندات صفحة تدعى "بابل بوابة الآلهة" على منصة فيسبوك.
وعلى الرغم من الشهرة الواسعة التي نالها هذا التفسير المنسوب للدكتورة أميرة عيدان على الإنترنت؛ إلا أن علماء آثار ومترجمي مسماريات عراقيين آخرين أبدوا تحفظاً علمياً عليه، وبعضهم كذبه تماما استنادا إلى الحجج الآتية:
1-الأصل المعجمي: في قواميس اللغة الأكادية الرسمية (مثل قاموس شيكاغو للآثار الأكادية)، كلمة "عَمى" أو "عَمَة" (Amma) بالمعنى المتداول لا تعني "انتبه". الكلماتان الأكاديتان الشهيرتان للتنبيه والتحذير من المخاطر هما:
- كلمة "حَراذو" (ḫarādu) والتي تعني الحذر واليقظة، ويلاحظ القارئ القرب الفظي بين كلمة حراذو الأكدية وحذار العربية، ما قد يوحي بحدوث قلب تأثيلي مكاني (Metathesis) في حروف الكلمتين الساميتين "الجزيريتين".
2-التفسيران الأقرب لغوياً: يرى بعض الباحثين أن كلمة "عَمَة/ عمى" السائدة عند تعثر شخص، ما هي إلا اختصار شعبي عراقي لـ "عَمَت عيني"(أي أُصيبت عيني بالعمى لكي لا أرى هذا المكروه يصيبك)، وهي عبارة تعاطف وتوجع مألوفة جداً في الموروث الشعبي العراقي، ولا علاقة لها بجذر مسماري قديم. والبعض يفسرها بالدعاء على السامع المتعثر بالعمى نكاية به" وهذا هو السائد عمليا إذ ان التعبير عن التعاطف في هذه الحال له تعبيرات أخرى من قبيل القول: الله الله...اسم الله... دير بالك عيني!
3-غياب الكلمة عن القواميس الأكادية: كلمة (Amma) لا وجود لها في قواميس المسماريات المعتمدة (مثل قاموس شيكاغو للغة الأكادية CAD) بمعنى "انتبه" أو "انظر".
4-التناقض في الموروث الشعبي العراقي: العراقيون لا يقولون "عَمَة/ تلفظ عمه" للمتعثر ككلمة مجردة للتنبيه، بل يتبعونها دائماً بعبارات تؤكد المعنى الحرفي للعمى مثل: "عَمَه بعينك" أو "عَمَه متشوف؟". وهذا يثبت أن الكلمة تعني "العمى" البصري وليست تحذيراً لطيفاً قادماً من الطين.
5-الأصل العربي الفصيح واضح تماماً: الكلمة مشتقة من الدعاء الشعبي العربي "عَمَت عيني" (أي أصاب العمى عيني كنوع من الفزع أو التوجع مما أصابك)، ثم اختصرت في اللهجة اليومية الدارجة إلى "عَمَ
6-لايوجد أي توثيق أو مصدر يؤكد نسبة هذه المعلومة إلى الدكتورة أميرة الذهب في كتاب معين او دراسة أو مقالة عليمة، كما انها ليست من الناشطات على مواقع التواصل الاجتماعي.
*لنناقش هذه الحادثة من زاوية علم الأنثروبولوجيا الاجتماعية (Socio-Anthropology)
في الأنثروبولوجيا، لا تُعامل هذه الفبركات كـ "أكاذيب" مجردة، بل كـ "ميثولوجيا معاصرة" وكأساطير معاصرة أو أحيانا كفلكلور زائف يؤدي وظائف اجتماعية محددة منها:
1-البحث عن الهوية والامتداد التاريخي:
المجتمعات التي تمر بأزمات وجودية أو تحولات سياسية واجتماعية حادة (مثل المجتمع العراقي في العقود الأخيرة) تلجأ غريزياً إلى "تأصيل الحاضر بالماضي". ربط مفردة يومية بسيطة مثل "عَمَة" بالطين الأكادي هو محاولة لا واعية لإثبات الأصالة، والقول: "نحن لسنا مجرد عابرين، نحن امتداد لسلالة عمرها 7 آلاف عام"، فيما أغلب هؤلاء يصفقون للتبعية للهيمنة الأميركية والغربية عموما.
2-قرصنة سلطة معرفية والاحتيال باسم أصحابها/ وقد فعلوا ذلك عن طريق إقحام اسم الدكتورة أميرة عيدان أو "طه باقر" يمثل اجتماعيا ما يُعرف بـ "إضفاء الشرعية المؤسساتية". وبما ان المجتمع الحديث لا يصدق الخرافة إذا رُويت على لسان ساحر أو رجل مسن، لكنه للأسف يبتلعها فوراً إذا أُلبست رداءً أكاديمياً (رئيسة هيئة الآثار). هذا يعكس حاجة العقل الجمعي إلى "مُشرّع معرفي" يثق به ولكن الوسيط لنقل المعرفة هنا كان محتالا جاهلا يضلل الجمهور.
3-الحنين إلى الماضي المفارق:
الأنثروبولوجيا تفسر هذا السلوك بأنه نوع من الحنين إلى الماضي "النوستالجيا الاستعادية" التي لا تكتفي بتذكر الماضي، بل تريد إعادة بنائه وتطبيقه على تفاصيل الحياة اليومية المقيتة المعيشة أحياناً، لتعويض النقص أو الانكسار في الواقع الحالي.
*أما من زاوية علم النفس الجمعي فيمكن تفسير هذه الحادثة كالتالي: يمكن تفسير سرعة انتشار هذه الفبركة وتحولها إلى تريند وصفق لها المئات وربما الآلاف ووضعوا عليها علامات الإعجاب وعبارات المديح عبر آليات الإدراك البشري داخل الجماعة:
1-انحياز التأكيد الجمعي:
العقل البشري يميل غريزياً لتصديق ما يتمنى أن يكون صحيحاً. العراقي يتمنى داخلياً ألا تكون كلمة "عَمَة" شتيمة أو دعاءً بالعمى، بل يريدها "تحذيراً لطيفاً". عندما يجد منشوراً يوافق هذه الرغبة النفسية، يتوقف عقله النقدي عن العمل ويتقبل المعلومة فوراً.
2-تأثير الببغاوية أو الإمعية الرقمية:
عندما يرى الفرد أن آلاف الأشخاص قد وضعوا "إعجاباً" وشاركوا المنشور، يحدث له ما يسمى "الامتثال الاجتماعي". العقل يفترض لاهوتياً: "مستحيل أن يكون كل هؤلاء البشر على خطأ". الخوف من المخالفة المعرفية يدفع الفرد لإعادة نشرها.
3-التخفيف من ذنب اللسان نفسياً، عندما يكتشف المجتمع أن عبارة قاسية مثل "عَمَة بعينك" هي في الأصل الأكاديمي "تمنٍّ بالسلامة والانتباه"، يحدث نوع من "التطهير النفسي واللغوي". المنشور يمنح الناس صك براءة غريزي من قسوة لسانهم اليومي، فيشعرون بالراحة لنشره.
4-وهم الحقيقة الناشئ عن التكرار:
التكرار يولد الألفة، والألفة تولد التصديق. مع كثرة نسخ المنشور ولصقه في مئات الصفحات، يتحول الوهم إلى "حقيقة واقعة" في ذهن الجمهور، لدرجة أن من يحاول نفيها علمياً يُنظر إليه كـ "مفسد للمتعة" أو "عدو للهوية الوطنية".
في الجزء القادم سنحاول الإجابة على أسئلة من قبيل؛ ماهي الأنثروبولوجيا الاجتماعية وما ميادين دراستها ومن هم علماؤها ومؤسسوها والباحثون العراقيون البارزون فيها؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة