ج5/ الأنثروبولوجيا الاجتماعية وظواهر الحياة الريفية
العشائرية
هل كانت القهوة في العراق
العباسي تعني القهوة العربية اليوم؟ وماهي بروتوكولات فناجين القهوة العربية
الأربعة وبمَ تختلف القهوة العربية في العراق وشرقي الشام عنها في الجزيرة
العربية؟
دراسة "الرموز والشفرات الاجتماعية: يعنى علم الأنثروبولوجيا
الاجتماعية بتفسير وشرح الحركات والعادات والتقاليد والأمثال كماهي في طبيعتها
سياقها الاجتماعي الإنساني الموروث فهو لا تنظر مثلا إلى حركة مثل "تقبيل
الكتف أو الكف أو رأس المرأة" أو "هز الفنجان" في المضيف العربي كحركات
فيزيائية وظيفية مجردة، بل كـرموز تواصلية إمائية ولفظية برقية أحيانا ولكنها حبلى
بالمعاني والدلالات. لنلق نظرة على الأمثلة التالية:
-عندما تقدم القهوة العربية للضيف ويأخذها هذا الأخير ويضع
الفنجان على الأرض، فهو بهذه الحركة يرسل رسالة إيمائية كشفرة يفهمها مجتمع المضيف
العشائري فورا وتُحرك نظاماً كاملاً من الالتزامات الاجتماعية للرد عليها إنها
تعني أن الضيف لديه طلب أو رجاء وهو لا يقبل كرم تقديم القهوة ويشربها قبل أن يحصل
من مضيفيه على وعد بالاستجابة لطلبه أو رجائه. هذا ما يسميه علماء الأنثروبولوجيا
بـ"بنية الرموز وتأويلها". هذا التصرف يحمل أبعاداً ثقافية واجتماعية
عميقة في القضاء العشائري والعادات البدوية القديمة:
إن امتناع الضيف عن شرب القهوة ووضعها على الأرض يُعدّ نوعا
من الإحراج الذي يخلو من الخشونة والتحدي للمضيف. فوفقاً للأعراف، إذا شرب الضيف
القهوة، فهذا يعني أن الأمور طبيعية ولا توجد مشكلة. أما تركها دون شرب، فهو إشارة
إلى وجود مسألة طارئة (مثل طلب صلح، أو جاهة زواج، أو حماية ودخالة، أو معالجة مَظلمة).
عندما يرى المضيف الفنجان على الأرض، يعلم فوراً
بالرمزية. ولا يجوز له أن يطلب من الضيف الشرب قبل أن يعده بالقول "اشرب
قهوتك وحاجتك مقضية" أي: اشرب قهوتك وطلبك مجاب قبل أن أعرفه، مادام أنه في
مقدرتي ولا يخالف الشرف والقبيلة.
بمجرد أن ينطق المضيف بهذه الكلمة، يشرب الضيف القهوة،
مما يعلن إتمام وانطباق طرفي "الاتفاق الاجتماعي" والتزام المضيف بحل
المشكلة.
أما تقديم الفنجان ممتلئاً بالقهوة حتى حافته للضيف فيحمل
في المجتمعات الريفية والبدوية معنى غير ترحيبي، ويعدها إهانة مبطنة أو إشارة
للضيف بأن يغادر المضيف.
تصب القهوة العربية بكميات قليلة جداً في قاع الفنجان
تُسمى "صبّة الحِشمة" أو "الرشفة"، وتكفي الكمية في الفنجان لرشفة
واحدة أو اثنتين فقط. أما ملء الفنجان إلى نصفه أو إلى حافته فله دلالات سلبية
محددة منها:
-إنها إشارة إلى وجوب المغادرة (فنجان الوداع القسري والأقرب
إلى الطرد).
-تنم عن الاستخفاف والجهل بالأصول: يُنظر إلى ملء
الفنجان على أنه تصرف ينمّ عن قلة احترام للضيف، أو دليل على أن صاحب البيت لا
يعرف أصول الضيافة العربية والكرم (يعامل القهوة كأنها ماء أو شاي).
-قد تعني الإعلان عن الخصومة أو الزعل في بعض الحالات،
إذا كان هناك خلاف بين المضيف والضيف، فيتم تعمد ملء الفنجان لإيصال رسالة صامتة
تعبر عن استياء المضيف ورفضه لزيارة هذا الشخص.
ومن أهم سَنع
وقواعد القهوة في المضيف العراقي هي شفرات الفناجين الأربعة الشهيرة. عندما يدخل
الضيف إلى الديوان، يدور عليه "المعزب" (الساقي) بالفناجين بالترتيب
التالي:
1-فنجان
الهيف: يشربه
الساقي (المعزب) أمام الضيف أولاً. ويفيد إثبات سلامة القهوة وأنها خالية من أي
سوء أو سم، وهو دليل على الأمان. والهيف كلمة عربية فصيحة لها أكثر من معنى أقربها
الى السياق الذي نحن فيه: العطش الشديد والريح الحارة ربما لعلاقة هذا الفنجان
بكونه حارا يشربه المعزب أو القهوجي في العراق والمُقَهْوِي في الجزيرة والخليج. أما معنى الأهيف أي الشخص ضامر البطن،
رقيق أو أهيف الخصر (ويُقال امرأة هيفاء) فهو قد يكون بعيداً عما نحن بصدده.
2-فنجان
الضيف: هو الفنجان
الأول الذي يُقدم للضيف. ويعني الترحيب الواجب وإكرام الضيف، ويجب على الضيف شربه
علامةً على قبول الضيافة.
3-فنجان
الكيف: هو الفنجان
الثاني الذي يطلب فيه الضيف الاستمتاع بطعم القهوة وتعديل مزاجه، ويدل على أن
الضيف مستأنس بالجلسة والمضيف.
4-فنجان
السيف: هو الفنجان
الثالث، وشربه يعني أن الضيف قد دخل في عهد الدفاع عن العشيرة وأصبح معهم في
السراء والضراء، يذود عنهم بـ "سيفه".
-وجدير بالذكر أن فجنان صَبّة الحشمة (ربع الفنجان) ينظر
إليه كقانون صارم في الجزيرة العربية (السعودية والخليج) خصوصا، حيث
يُعدُّ ملء الفنجان خطيئة كبرى في حق الضيف "صَبّة الحشمة، وقصّة
الوجه". وهو ذلك في العراق وشرق بلاد الشام يُعبّر عنها بالمثل القائل "قهوة
الرجال شفة" أي رشفة صغيرة للرجال. "وقهوة النِّسا جِغمة" أي جرعة
كبيرة.
قواعد حركة الفنجان وهزّه او قلبه: تخضع طريقة التعامل مع الفنجان باليد لقوانين صارمة تعبر
عن الاكتفاء أو طلب المزيد:
-هزّ الفنجان (إعلان الاكتفاء):
-مدّ الفنجان دون هزّه (طلب المزيد):
-قلب الفنجان: الاكتفاء الشديد، وإن كان هز الفنجان هو الأكثر شيوعاً وتهذيباً.
ملخص بروتوكولات فناجين القهوة العربية الأربعة
(المُقدَّمة للضيف)
بعد أن يشرب المضيف فنجان "الهيف"، يبدأ
بتقديم القهوة للضيوف عبر أربعة فناجين متتالية، لكل منها اسم ومعنى اجتماعي دقيق:
هذه المعطيات والعادات في تقديم فنجان القهوة لا تقتصر على
العراق وحده، بل تنطبق على جميع المجتمعات العشائرية والبدوية في الجزيرة العربية
وشمالها (بلاد الشام)، مع وجود اختلافات طفيفة جداً في المسميات أو بعض التفاصيل
المحلية.
مثلما أن هذا البروتوكول الخاص بتطييب القهوة العربية
وتقديمها يُمثل ثقافة بدوية عابرة للحدود السياسية الحالية، وتتشارك فيها
القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية وامتداديها العراقي والشامي مع
وجود فروق طفيفة ومشتركات بين الدول:
-هزّ الفنجان وفنجان الهيف: هذا بروتوكول مُوحّد وثابت لدى جميع قبائل الخليج
والجزيرة العربية والشام والعراق. هزّ الفنجان يعني الاكتفاء، و"الهيف"
يشربه المضيف دائماً للأمان والجودة.
-وضع الفنجان على الأرض لطلب الحاجة: تُسمى في الأردن وفلسطين وسوريا والعراق بـ "الفنجان الجاهي" أو فنجان الجاهة (عند طلب الزواج أو الصلح العشائري)،
وفي السعودية والخليج يُعرف بطلب "العاني" أو "الداخل"، والآلية
واحدة: لا تُشرب القهوة حتى يُقال للضيف "أبشر بحاجتك".
تختلف القهوة العربية في مكوناتها، ولونها،
وطريقة تحضيرها بين شمال الجزيرة العربية (العراق وبلاد الشام) وجنوبها (السعودية
ودول الخليج)، تبعاً لطبيعة البيئة وتوفر المكونات تاريخياً.
الفروق الأساسية في إعداد القهوة بين هذين الإقليمين:
- القهوة في شمال الجزيرة العربية (العراق وبلاد الشام)
تُعرف في العراق بـ "القهوة
المُرّة" أو
قهوة الديوان، وتتميز بلونها الأسود الداكن وقوتها وتركيزها العالي.
ومن المطيبات يُضاف إليها الهيل فقط بكميات
معتدلة، وتتميز بمرارتها الشديدة.
-طريقة التقديم: تُقدم
دافئة أو ساخنة، وتُصب بكميات شحيحة جداً (رشفة واحدة مركزة).
-القهوة في جنوب الجزيرة العربية (السعودية ودول الخليج)
تُعرف بـ "القهوة الشقراء" ويسميها العراقيون "القهوة
الخفيفة" ولا يستملحونها، وتتميز بنكهتها الغنية بالبهارات العطرية. تُضاف إليها
كميات وفيرة من الهيل، والزعفران الأصلي (الذي يمنحها اللون الذهبي
والرائحة الذكية)، والمسمار (القرنفل)، وأحياناً القليل من الزنجبيل أو
مستخلص ماء الورد.
القهوة في العراق ذات تاريخ عريق وثري جداً من حيث
التقاليد ربما ينوف على الأربعة قرون. ولكن ثمة التباس هنا يحتاج إلى تفكيك وإيضاح:
تشير المراجع التاريخية إلى أن القهوة وصلت إلى العراق
وبادية الشام في مطلع القرن السادس عشر الميلادي. وقد تعلّم سكان هذه المناطق
طريقة طبخ القهوة من قوافل الحجيج العابرة القادمة من شبه الجزيرة العربية. وهذا
يعني أن عرب الجزيرة العربية جنوباً قد عرفوا القهوة وصنعوها قبل عرب العراق. في
حين تذكر مصادر تأريخية أن القهوة وجدت في العراق بعدة قرون قبل السادس عشر
الميلادي. الالتباس التاريخي الذي يجعل البعض يظن أن العراق هو الأقدم في القهوة
يعود لسببين رئيسيين:
-الالتباس اللغوي في كلمة قهوة ذاتها فقد عرف العرب كلمة "قهوة" في العصر الجاهلي وصدر الإسلام
والدولتين الأموية والعباسية (ومركزها العراق)، ولكنهم كانوا يطلقونها على "الخمر" لأنها "تُقهي" شاربها عن الطعام (أي تذهب بشهوته).
كما في قول الشاعر الجاهلي الأعشى:
ونادَيتُ شَرباً كِراماً زُهراً ... لِقَهوَةٍ عُتِّقَت
في الدِّنانِ
وقول أبي نؤاس:
وقَهْوَةٍ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ صَافِيَةٍ ... لَهَا
نَسِيمٌ كَرِيحِ المِسْكِ نَفَّاحُ
*جاءت
كلمة «قَهْوَةٍ» في البيت المنسوب إلى أبي نؤاس وثمة من ينسبه إلى ابن المعتز،
جاءت مجرورةً في مطلع هذا البيت بسبب "واو رُبَّ" (وهي واو مسبوقة بـ
"رُبَّ" المحذوفة وجوباً بعد الواو)، حيث تُجرُّ الكلمة لفظاً بالكسرة
وتُعرب في محل رفع مبتدأ.
أما قول الشريف الرضي الذي توفي ببغداد سنة 406 هـ -
1015 م، عن عمر ناهز 47 عاماً:
أَدِرِ القَهوَةَ المُرَّةَ المَذاقِ ... فَإِنَّ
العُيونَ إِلَيها نَواظِرْ
فثمة إجماع بين مؤرخي الأدب ونقاده القدماء على أن
الشاعر يقصد بالقهوة المُرَّة نوعاً معتقاً ومراً وقويا من الخمرة، وهي نوعان
الأولى تسمى الخندريس وهي قديمة وقوية ومرة والثانية تدعى الصرخدية وتكون قديمة
وقوية وأقل مرارة.
عندما اكتُشف مشروب البُن في اليمن، استعار العرب هذا
اللفظ القديم وأطلقوه على الشراب الجديد. لذا، فإن الأبيات الشعرية القديمة لعلماء
بغداد التي تمدح "القهوة" قبل القرن الـ 15 كانت تقصد الخمر وليس البُن.
على الرغم من أن العراقيين ليسوا مكتشفي القهوة الأوائل
إلا أن عشائرهم العربية في الفرات الأوسط والجنوب والبادية طوّرت المنظومة
الأكثر صرامة وتعقيداً في قوانين القضاء العشائري والرموز الصامتة "السنع"
المرتبطة بالفنجان.
توجد مصادر تاريخية مؤكدة تثبت دخول القهوة وانتشارها في العراق
قبل القرن السابع عشر، وتحديداً خلال القرن السادس عشر الميلادي (القرن العاشر
الهجري). بل إن هناك إشارات طبية ترجع إلى ما هو أبعد من ذلك
بكثير.
تنقسم هذه المصادر التاريخية والتوثيقية إلى ثلاث فئات
رئيسية:
- شهادات الرحالة الأوروبيين (القرن السادس عشر) ومنها رحلة الطبيب والرحالة الهولندي ليونهارت راوولف الذي زار بغداد في أواخر شهر تشرين الأول / أكتوبر من عام 1574 (عام 982 هـ). وكتب في مذكراته عن وجود مشروب شائع جداً بالبلاد يسمونه "قهوة" ووصفه بأنه "أسود اللون كالقير تماماً، ومفيد جداً للمعدة، والقوم يتناولونه في باكر الصباح"، وأكد انتشار المقاهي واعتياد العراقيين عليها دون أي ممانعة اجتماعية. [
-تأسيس مقهى "خان جغان" في بغداد (1590م): تشير مصادر تاريخ بغداد إلى أن الوالي العثماني
"جغال أوزديمير باشا" أنشأ خاناً شهيراً عام 1590م، وافتُتح فيه أحد
أقدم المقاهي التراثية ببغداد، مما يؤكد أن ثقافة المقاهي كانت راسخة قبل حلول عام
1600م.
- المخطوطات والكتب الفقهية والتاريخية (القرن السادس عشر)
خلال هذا القرن، شهد العالم الإسلامي جدلاً فقهياً
واسعاً حول إباحة القهوة أو تحريمها، ومن هنا ظهرت مصادر وثّقت وجودها في العراق
والشام:
المرسوم السلطاني للسلطان سليمان القانوني (1524م): بعد أن حاول بعض
الفقهاء المتشددين تحريم القهوة في مكة والقاهرة، أصدر السلطان العثماني سليمان
الأول مرسوماً رسمياً عام 1524م يُبيح شرب القهوة. وبما أن العراق أصبح تحت الحكم
العثماني بعد دخول بغداد عام 1534م، فقد انتشر المشروب بشكل قانوني وتجاري واسع في
الولايات العراقية منذ منتصف القرن السادس عشر.
- الإشارات الطبية المبكرة جداً (القرن العاشر والحادي
عشر).

تعليقات
إرسال تعليق