ج6/ التفسير الأنثروبولوجي الاجتماعي لتقبيل الكتف واليد والركبة للرجل، ورأس المرأة

كيف تفسر الأنثروبولوجيا الاجتماعية تقبيل الكتف واليد والركبة للرجل، ورأس المرأة في المجتمعات العشائرية، وفي دول الفرس والترك والرومان: وهل كانت المرأة العشائرية مثالاً للمساواة أم ضحية للتهميش والاضطهاد الذكوري ضدها بأشكال أخرى بوصفها آلة لإنجاب المحاربين والأبطال؟ وماذا قالت الشاعرة الخزاعية بحق عشيرتها حين تأخرت عن أخذ ثأرها؟



لنبدأ أولا الدلالات الأنثروبولوجية لتقبيل اليد (ظاهر الكف) والكتف: في الفهم التقليدي السائد، يعبر كلا الفعلين (تقبيل اليد والكتف) عن التوقير، والامتثال. إلا أن هناك فرقاً دقيقاً في الدلالة والمعنى بينهما، ولكن هذه الممارسة، إذا نظر إليها خارج شرطها المجتمعي، لا تخلو من دلالات سلبية تشير إلى الخنوع والاستسلام لسلطة أقوى ذات هيمنة:

-فتقبيل اليد يعبر في الشكل والمعنى العام عن الطاعة، البر، والتقدير ذي الطابع الديني أو العائلي. هذا في الأعراف العربية والعراقية السائدة في عصرنا. ولكننا نجده أيضا لدى مجتمعات أخرى غير عربية مجاورة كتركيا حيث أصبح مشهد الناس وهم يقبلون يد رئيس الدولة مألوفا في الأخبار. ويبدو أن هذه العادة غير موجودة أو مألوفة في الوسط التركي العلماني المتأثر بالغرب وحكرا على المجتمعات والشخصيات التقليدية ذات المرجعية الإسلامية. أما عربياً فلتقبيل اليد سياق محدد ومحصور غالباً في علاقات الدم أو المكانة الروحية وكبر السِّن وفي نطاق مكاني وزماني محدود في الجزيرة العربية.

أما تقبيل الكتف فيدل على الإجلال، والوجاهة، والاحترام العشائري. إنه سلوك رسمي وعشائري في العراق وشبه الجزيرة العربية وبلاد الشام، وله دلالات ترتبط بالهيبة والمكانة الاجتماعية.

-تقدير الوجاهة والمشيخة: في الأعراف العشائرية، يُقبل أفراد القبيلة أو الضيوف كتف شيخ العشيرة أو الوجيه الكبير في أثناء السلام عليه في المضيف. وفيزيقيا يضطر المُقَبِّل على أن يخفض رأسه إلى كتف المُقَبَّل خفضاً خفيفاً معبراً بالحركة عن الاعتراف بزعامة الشيخ (المقبَّل) وإجلال هيبته.

-إظهار التواضع: يمثل خفض الجانب لمن هو أكبر سنّاً أو أرفع منزلة، وهو دليل على الأصالة وحسن التربية في الثقافة الشعبية الموروثة.

-وفي مناسبات أخرى يعبر تقبيل الكتف عن الاعتذار بعد التحكيم (الفصل العشائري). يُستخدم تقبيل الكتف بكثرة في مجالس الصلح (الـعَطوة وهي الهدنة في نزاع أو قبله لتفاديه أو الفصل هو عقوبة على المدان في التحكيم العشائري والفصل الصادر عن هذا التحكيم أي التسوية المالية والمعنوية النهائية). عندها يذهب المخطئ للصلح، فإن تقبيل كتف صاحب الحق أو الشيخ الوسيط يُعد إيماءة اعتذار بليغة تعني "طلب السموحة والرضا" وتطييب الخواطر.

-احترام المرجعية العائلية أو العشائرية الكبرى: أحياناً يُقبل الأخ الأصغر كتف أخيه الأكبر (إذا كان بمقام والده المتوفى) أو كتف عمّه، كدليل على أنه السند والمرجع للعائلة.

-الاعتراف بالفضل والامتنان: يعبر عن الشكر العميق لشخص قدم معروفاً كبيراً أو أنقذ موقفاً صعباً.

يظهر تقليد تقبيل الكتف في المجتمع العراقي ضمن مناسبات محددة ومواقف اجتماعية تفرض هذا النوع من الاحترام العالي. ومن هذه المناسبات الأعياد والمناسبات الدينية والعودة من الحج.

وقد أشار أحد الأصدقاء الباحثين العرب هو عزام بن موسى اللامي في مراسلة شخصية مع كاتب هذه السطور، ضمنها معلومات مفيدة ونادرة إلى أن "العرب لم تكن تُقبّل الكتف قبل الإسلام، وهذا ورد في كتاب جواد علي (المفصل قبل الإسلام). وارتبطت الثقافة السلفية الشرعية لدى الطائفة السنية بأن تقبيل الكتف هو مستهجن ومكروه وظاهرة غريبة عن صدر الإسلام، بل يقارنها أحدهم بتقبيل الركبة". إن المقارنة هنا بتقبيل الركبة الذي ورد في هذا الاقتباس يأتي في سياق الإزدراء لهذا الفعل الذي لم يعد موجودا وكان نادرا أصلا في المجتمعات البدوية. ولكننا نسجل إشارات إلى وجود هذه العادة (قبيل الركبة والأقدام وأطراف الثياب) بروتوكولاً رسمياً صارماً لدى كل من المماليك والسلاطين العثمانيين. لقد كان هذا السلوك جزءاً أساسياً من النظام السياسي لإظهار الطاعة والولاء للسلطان في القصر. كان تقبيل الركبة والقدم واليد تقليداً إمبراطورياً راسخاً، لدى الفرس أيضاً بل إن الفرس يُعدّون تاريخياً من أقدم الأمم التي وضعت بروتوكولات صارمة ومكتوبة لتعظيم الملوك وتقبيل أجزاء جسدهم السفلية أو الأرض بين أيديهم. كان ملوك الفرس (الأكاسرة) يعيشون في عزلة وحجاب شديد عن العامة، وكان الدخول عليهم يتطلب طقوساً تسمى "السجود للملوك" (Proskynesis).

أما بروتوكول "بايبوس" (Paybos)، وهي كلمة فارسية تعني حرفياً "تقبيل القدم أو الركبة"، فكان إلزامياً على الحكام المحليين، وسفراء الدول الأجنبية (بما في ذلك سفراء العثمانيين والأوروبيين). وكان تطبيقه سببا لأزمات دبلوماسية كبرى ومعارك بروتوكولية خاضها السفراء الأوروبيون والعثمانيون للحفاظ على كرامة دولهم وملوكهم.

أما في الإمبراطوريات الأوروبية (الرومانية، البيزنطية، والممالك الغربية والشرقية)، فقد وجدت هذه العادات بقوة بل إن بعض الباحثين والمؤرخين كالفرنسي ماريوس كانارد (Marius Canard) يرون أن هذه العادات التي ظهرت عند الفرس والمماليك والعثمانيين كانت متأثرة ومستوحاة جزئياً من البروتوكولات الصارمة التي وضعتها الإمبراطوريات الأوروبية القديمة لتعظيم الأباطرة والملوك.

أما الباحثة في الفن والعمارة الإسلامية بجامعة هارفارد ولرو نجيب أوغلو (Gülru Necipoğlu)، فلها دراسات تفصيلية حول "بروتوكولات السيادة والقصور. أوضحت أوغلو كيف أثر التراث البيزنطي (الروماني الشرقي) بشكل مباشر على طقوس السلاطين العثمانيين. فبعد فتح القسطنطينية، تبنى السلطان محمد الفاتح لقب "قيصر الروم" (Kayser-i Rûm) وسعى لمحاكاة "مسرح القوة" البيزنطي. وأخذ بفكرة عزل السلطان عن العامة، والجهود التنظيمية التي يبذلها الوزراء للانحناء وتقبيل ركبته أو طرف ثوبه (Etek Öpmek)، كانت مستوحاة مباشرة من طقوس الأباطرة البيزنطيين الذين كانوا يفرضون تقبيل حافة ردائهم الإمبراطوري.

في المجتمعات العشائرية العربية فإن تقبيل اليد ظاهرة حديثة النشأة كما يرجح الصديق الباحث ويضيف "إن السلام في الأصل هو المصافحة اليمنية باليمين وبيد واحدة عند العرب قبل الإسلام، وجذورها يمانية". وقد تكون عادة المصافحة اليديوية وجدت في حضارات اليمن. ولكن الموثق أركيولوجيا وهذا هو المعوَّل عليه بحثيا أن هذه العادة وجدت في العهد الآشوري. فهي، إذن، من الناحية البحثية التوثيقية آشورية. وهناك نصب آشوري يوثق وجودها في عهد الملك الاشوري شلمنصر الثالث مع الملك البابلي مردوخ زاكير الأول، حيث توثق هذه المصافحة الرسمية التحالف بين أشور وبابل.

ويضيف الصديق: "إنَّ تقبيل الخدود وحتى الأنف أو الملامسة للأنف، هو حالة مبتدعة عند العرب الأواخر، وهي غائبة عن العرب قبل الإسلام وفي صدر الإسلام. ويذكر بعض مشايخنا الذين ما يزالون أحياء في الجزيرة والخليج أن "الصغار ومن ليس له شأن اجتماعي، يجب أن يُقبّل رأس شيخ القبيلة، أما تقبيل الكتف واليد لم يكن موجود آنذاك، لا عند الأحرار ولا بين العبيد والأحرار ولا بين الوجهاء والخدم. العادة الاجتماعية في المصافحة كانت المصافحة بيد واحدة وهي اليمين وهذه هي المصافحة التي عهدناها قديما، لا تتلامس فيها الخدود أو الشفاه بالخدود، ولا تتضمن إلا ملامسة الأكتاف في العناق من الجانبين".

ويضيف عزام اللامي: "ورد تقبيل اليد والرأس على الرسول، وهي عدة أحاديث ومن بينها حديث إشهار بني عبد القيس للإسلام عندما قابلوا الرسول في وفد من الأحساء، وتقبيل ابن عمر ليد الرسول. لكن تقبيل اليد ليس للمرأة بشكل حصري، لكنه قد يكون موجودا في حدود ضيقة جداً، حتى أن في ظروف عديدة لا يشمل شيخ القبيلة (جرت العادة للشيوخ في جزيرة العرب تقبيل الرأس \ الجبين). هذه الحصرية تتمركز بكثافة في الأبوة والأمومة، لأن من مشكلات تقبيل اليد بالنسبة لعرب الجزيرة العربية هو في الانحناء، وكانت العرب لا تنحني في أثناء السلام والمصافحة أو لأي غرض كان". وسبق للراحل العلوي أن قارب هذه المعلومة بقوله إنَّ العربي لم يكن ينحني حتى إذا سقطت منه عصاه فيطلب من أحدهم أن يرفعها إليه.

تقبيل رأس المرأة

  تقبيل الرأس خاص بالنساء وهو موجود في مجتمعات الجزيرة والشام أيضا. وبموجب هذا التقليد يقبل الرجل رأس المرأة (وفي بعض المجتمعات العشائرية في الجزيرة يقبل الرجل رأس الرجل في حالات خاصة)، وزيادة في طقسنة هذا الفعل فالرجل لا يقبل رأس المرأة مباشرة بل يقبل غطاء رأسها العصابة (الجرغد) وأحياناً يبسط كفه على هامتها ثم يقبل يده!

أما تقبيل الرجل لرأس رجل آخر فنادر الحدوث وله دلالات مختلفة ومحددة وهي أقوى من دلالات ومعاني تقبيل الكتف. ومن دواعيها الاعتذار عن خطأ أو تجاوز ويكون الاعتذار غالبا بطلب من هيئة تحكيم عشائرية أو من شخص كبير السن شهد الخلاف أو تم تحكيمه فيه.

أما التقبيل بالأنوف فخاص بالمجتمعات البدوية في الجزيرة والخليج العربي وغير موجود في العراق وبلاد الشام.

تقبيل رأس المرأة: في البيئة الجنوبية العراقية يحمل تقليد تقبيل رأس المرأة دلالات اجتماعية ونفسية هامة من وجهة نظر المدافعين عنه ومنها:

1. تكريم المرأة وحفظ مقامها بإعلاء الشأن وإبداء المهابة والاحترام.

2- الحماية والاحتواء والشهامة عبر إظهار السند وإبداء عاطفة الأبوة والأخوة. وتقديم الترضية والاعتذار لها متى كان ذلك مطلوبا.

هذا التمييز الدقيق عمليا في العادات يُظهِر ويكرس كيف يوزع العرب عموما وفي العراق خاصة تعابير الاحترام؛ فبينما يكون تقبيل الكتف تقديراً لسطوة ومقام الرجال وكبار السن في المحافل العامة، ويحصرون تقبيل اليد بكبار السن وحملة الحكمة المفترضة من أجدادهم وأعمامهم، يكون تقبيل الرأس للمرأة اعترافاً بجلال قدرها واحترام دورها ومكانتها داخل العائلة الصغيرة والعشيرة الكبيرة في السلم والحرب معا. وخصوصا أن دور المرأة العشائرية في الحروب معروف ومهم ولكنه مسكوت عليه بحثيا إلا نادرا وخصوصا بعد أن تراجعت السمات الإيجابية وتقدمت عليها المعاكسة السلبية ذات النزعة الذكورية القاسية.

وربما نجد بعض جذور توقير المرأة عشائريا في ماض بعيد نسبياً. ففي القرون الثلاثة الماضية وصولا إلى بدايات القرن العشرين كان للمرأة مكانة خاصة في جيوش القبائل (ثمة إشارات أقدم من ذلك في التأريخ العربي من هذا القبيل ففي إحدى معارك المسلمين ضد أعدائهم القرشيين "معركة أحد" شاركت فيها بنات سادة الملأ القرشي كمحرضات في جيش الوثنيين بقيادة هند بنت عتبة زوجة أبو سفيان وأم معاوية ووضع الرواة على لسانها ولسان زميلاتها كلاماً فاحشاً على شكل أهزوجة ربما يصعب تصديق صدوره في عصرنا).

وكانت بعض النساء المعروفات في العشائر العربية العراقية هنَّ مَن يقدن المقاتلين. هؤلاء النساء اللواتي قُدْن الجموع أو سطَّرن مواقف بطولية يُعرفن بـ "العَطْفيات" أو "راعيات العَطْفَة" وهنَّ غالباً اللواتي يُنتخى بأسمائهن بصرخة قتالية هي: أنا أخو فلانة!

إذْ إنَّ مكانة المرأة التي تتجاوز حدود العائلة لتصبح رمزاً لوجود القبيلة أو العشيرة، والشرف العام والشخصي (العِرض بمعناه العشائري المعدَّل والمختلف عن الشرف كما شرحناه في موضع آخر)، تصبح هي مصدر الإلهام الحماسي في معارك القبيلة والنقد والهجاء الحاد أحياناً. حيث نجد سيدة شاعرة منهن هجت عشيرتها بأبيات من الشعر الشعبي (الحسچة: شعر أو كلام موجز، هادف وعميق يحمل في طياته دلالات غير مباشرة تعتمد على الإيحاء والتضمين) حين ترددت قيادة عشيرتها خزاعة أو الخزاعل وتباطأت في أخذ ثأرها من عشيرة أخرى هي زبيد بعد هزيمتها في معركة "الخنيسي". فهددتهم الشاعرة شعراً بالعبور إلى العشيرة المعادية على الضفة المقابلة من النهر والزواج من رجل منها فربما ينجب لها ولداً يأخذ بثأر أهلها. وبقيت كلماتها حية إلى يومنا هذا، قالت:

لأَعْبُر لِلزْبِيدِي وَأَخْذَنَّهْ

بَلْكَتْ يِجِينِي وَلَدْ مِنْهْ

يِكْبَر وْيَاخِذْ ثَارْ أَهَلْنَا.

وتقول المروية العشائرية إنَّ رجال عشيرة خزاعة حين سمعوا بهذه الأبيات الصريحة القاسية اجتمعوا وقرروا الهجوم الكاسح فورا على القبيلة المعادية وهزموها واخذوا بثأرهم منها.

من هذا الغرار تقريبا ما ذكره الباحث السعودي د. سعد الصويان وغيره العديد من المؤرخين وشعراء القبائل في الجزيرة العربية - إقليم نجد من تفاصيل قصة الثأر لوديد بن عرّوج الكثيري اللامي في القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي حين كانت قبيلة بني لام تهمين وتحكم معظم أرجاء نجد. وهذا ما سنتوقف عنده بالدراسة والبحث في الجزء القادم من هذه الدراسة.

الصورة: نصب آثاري يوثق لحظة المصافحة الشهيرة بين الملك الاشوري شلمنصر الثالث والملك البابلي مردوخ زاكير الأول.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة