عشر فوائد لغوية جديدة: متى يكون استخدام هذه
الكلمات والعبارات خاطئاً أو ضعيفاً بلاغياً: "اعتباراً، فترة، خلال، بأكملها،
لا يعكس، بالتالي، ويتواجد"؟
ثمة استخدامات لغوية وأسلوبية كثيرة في الكتابة
الصحافية درج الكتّاب على استخدامها ولكنها ليست صحيحة، أو أنها تكون أحيانًا ضعيفة لغوياً أو بلاغياً. وقد تجمع عندي عدد منها في المدة الماضية، وسوف أضمها إلى الطبعة القادمة من كتابي "فوائد
لغوية وتراثية: ثلاثمائة فائدة في اللغة العربية والتراث/ الصورة" الصادر عن
دار "فضاءات الأردنية" سنة 2023. من هذه المجموعة أقدِّم اليوم ما يلي:
1-اعتباراً، ويعتبر وما يشتق منه: فيقال ويُكتب أحياناً
"اعتباراً من اليوم كذا/ اعتباراً من التاريخ كذا..." أو "وهذا أمر
يعتبر تافهاً ومشيناً". ولأن كلمة (اعتبار) ومشتقاتها إيجابية من حيث المعنى،
وتعني الاحترام والتقدير، والمُعْتَبَر هو المحترم والمقدَّر والمبجَّل وما
هو من هذا الغرار، فلا يجوز بناء على ذلك أن تُستخدم هذه الاستخدامات التي تجمع
بين الاعتبار والتفاهة. وبديل "اعتباراً من" هو "بدءاً من/ بدايةً
من" عند الحديث عن زمان أو وقت محدد. أما في عبارة "يعتبر تافهاً"
فالصواب هو أن نقول: يُعَدُّ تافهاً، أو "يُحْسَبُ تافهاً"...إلخ.
2- تستخدم كلمة "فترة" بمعنى مدة زمنية، وهذا ليس
دقيقاً لغة وأسلوباً بلاغياً. الفترة لها معنى خاص جداً فهي تعني معجمياً: زمن
مُعْتَرِض يقع بين حدثين أو زمنين، ويسودها غالباً سكون، أو هدنة، أو انقطاع في
العمل والنشاط. ومثالها في القرآن {على فترة من الرسل} بمعنى على مدة انقطاع
من الرسل، أو هي زمن منقطع بين رسولين لا يوجد فيه رسل.
أما "المدة" فهي أي مدة زمنية بإطلاق القول. وفي لسان
العرب لابن منظور هي البُرهة من الزمان، أو الطائفة المحددة منه، سواء كانت
قصيرة أو طويلة. وسميت بذلك لأن الزمان يمتد فيها. وجذرها الثلاثي المجرد هو
"م د د".
3-خِلال: وهذه الكلمة وردت إلينا عبر الترجمات الحديثة عن اللغات
الأجنبية وخاصة الإنكليزية والفرنسية على الأغلب، وهي ضعيفة لأن "الخِلال"
في الأصل تعني الفُرْجَة أو الوسط بين شيئين (مثل: دخلتُ خلال الجدار)،
واستخدامها كظرف زمان أو مكان بلفظ "من خِلال" غالباً ما يكون تكلفاً
زائداً. ولها بدائل كثيرة منها:
عَبْرَ / بواسطة / في أثناء / بفضل /عن طريق /باستعمال / انطلاقا من...
إلخ.
4- الخلط بين طِوال وطَوال وطِيلة: التعبير الأصح لغةً والأقوى
بلاغةً هو طَوَالَ سنوات (بفتح الطاء)، في حين يُعدّ التعبير الآخر "طِيلة
سنوات" أضعف في لسان العرب، وتنقصه الدقة التراثية. فطَوَالَ سنوات هي الأصح
والأقوى. وهي ظرف زمان يُستعمل أصلاً للدلالة على امتداد الوقت واستمراره. وقد ورد
هذا الاستخدام في أمهات المعاجم مثل لسان العرب، قال: "لا أكلمه طَوَالَ
الدهر أو طُولَ الدهر". لذلك، فإن ربطها بالسنوات (طَوال سنوات) وبفتح
الطاء هو التعبير الفصيح، لأن طِوَال (بكسرها) تعني جمع "طويل" كقولنا:
هؤلاء رجالٌ طِوَالٌ.
أما طِيلة سنوات فهي أقل فصاحةً ودقةً: ففي المعاجم القديمة، نجد أنَّ كلمة
الطِّيلَة (بكسر الطاء) تعني العُمر أو المَدى الحياتي حصراً. ويقال في
الأثر: "أطال الله طِيلَتَه" أي أطالَ اللهُ عمره.
وسأفرد فائدة مستقلة قريبا للتفريق بين الفعلين يطال ويطاول.
5- استخدام عبارة "بأكملها" بمعنى بكاملها أو كلها. وهذا
غير دقيق فالأكمل اسم تفضيل وعندما تكون «أَكْمَل» اسم تفضيل، فهي لا تعني
"الكُلّ" (الجميع)، بل تعني الأكثر كمالاً وإتماماً.
6-عبارة "هذا لا يعكس" خطأ لأن الفعل يعكس تعني يعاكس
ويخالف، ولا تعني دائما يُظْهِرُ ويعكس كالمرآة. والأفضل استخدام عبارة "لا
يُظهر/ لا يبدي / لا يفصح عن".
7-عبارة "وبالتالي": هذه العبارة لا تعتبر خاطئة لغوياً
أو بلاغياً ولكنها ضعيفة بلاغياً في مواضع ومعاني كثيرة ويمكن أن نستخدم بدلاً
منها عبارات للربط المباشر بين السبب والنتيجة أكثر فصاحة نحو:
-ومن
ثَمَّ؛ بفتح الثاء، وهي من أرقى الروابط البلاغية.
-بناءً
على ذلك
-وعليهِ
فإنَّ
-ونتيجةً
لذلك
8-
تفادي الخلط بين (طالما) و(مادام) لأنهما مختلفتان من حيث الاستعمال
والمعنى:
فطالما؛ تفيد كثرة وقوع الحدث، ولا تعمل كأداة شرط فيمكن أن نقول: طالما سافرتُ إلى بغداد، بمعنى إنني
سافرت إلى بغداد مرات عديدة. ويمكن ان نقول (كثرما) بدلا من طالما نحو؛ "كثرما
نصحتك فلم تسمعني".
أما (مادام) فهي من أخوات كان وتفيد استمرار وقوع الحدث الذي بدأ في
الماضي نحو: مادام المطرُ غزيراً.
9- الخلط وعدم التفريق بين "لصالح" و "لمصلحة".
الاستخدام الأكثر دقة لصالح وتستخدم غالباً عندما يكون هناك تنافس، أو قضاء، أو
مقارنة، أو كسب مادي ومعنوي مباشر كقولنا: "حكمت المحكمة لصالح المتهم." "انتهت المباراة لصالح الفريق الضيف". أما لمصلحة فتُستخدم
عندما يتعلق الأمر بالمنفعة العامة، أو الخير، أو الشأن التدبيري
والتنظيمي. والمصلحة هنا هي خلاف المفسدة.
كقولنا: "تم اتخاذ هذا القرار لمصلحة العمال."
و "يجري العمل لمصلحة العموم."
10-استعمال الفعل "يتواجد" بمعنى "يوجد" وهذا خطأ لأن
الفعل "يتواجد" معناه يظهر الوجد، والوجد هو الانكشاف الروحي
وإظهار مشاعر الحب والشوق أو الانذهال. ومن هذا القبيل الوجد الصوفي فنقول
"تواجد الصوفي أي أظهر الوجد".
أما الفعل الصحيح فهو وجد ويوجد نحو: يوجد بعض الناس في قاعة الاحتفال
الآن. ومن مشتقاته موجود وليس متواجد.
إلى اللقاء في مجموعة فوائد لغوية جديدة أخرى.

تعليقات
إرسال تعليق