وفاءً لانتفاضة تشرين العراقية واستذكارا لشهدائها  



ما حدث يوم أمس، لم يكن حراكاً احتجاجياً بل وقفة استذكار ووفاء لشهداء انتفاضة تشرين 2019 بالدرجة الأولى. لا جدال في شرعية وحق كل عراقي في التظاهر السلمي والاحتجاجي ومنه وقفة الأمس. ولكن بعض التحفظات ستكون مشروعة على التوقيت والشعارات المعادية لإيران في ظرف دولي متوتر يُتَوَقَع فيه أن تشن الولايات المتحدة والكيان الإبادي بين الساعة والأخرى عدواناً مدمراً جديداً على إيران.

لحسن الحظ كانت تلك الشعارات المعادية محدودة من حيث المدى والتكرار، ربما بسبب غلبة العقلانيين والمعتدلين وتواضع أعداد المشاركين في التظاهرات. علما أن التحفظ على توقيت تلك الشعارات لا يعني إنها غير مبررة نظراً لموقف القيادة الإيرانية السلبي بل والمحرِّض ضد الانتفاضة الشهيدة في حينها. وكان كاتب هذه السطور من بين مَن تصدوا لتغريدات صدرت من بعض القادة الإيرانيين في هذا السياق وكل ذلك منشور وموَّثق.

 نعم، ثمة تحفظات على التوقيت والشعارات رغم أن بعضها يبدو مبررا، وتأييد مطلق وغير مشروط لحق العراقيين الدستوري في التظاهر والاحتجاج السلمي. أما رفع شعارات مطلبية أخرى تتعلق بالجانب المعيشي للمواطنين وخاصة الفقراء والكادحين إلى جانب المطالبة بمحاسبة المشاركين في المجازر التي ارتكبت بحق المتظاهرين السلميين في تشرين، فهو أمر مبرر ومشروع أيضا. بل إن المطالبة بالكشف عن القتلة وتقديمهم للقضاء، خصوصاً وأن بعضهم أدين قضائياً وصدرت أحكام عقابية ضدهم ولكن أطلق سراحهم لاحقا، يكتسب مزيدا من المشروعية والراهنية خصوصا بعد الاعتراف الصريح لأحد الزعماء المليشياويين (هادي العامري) بمسؤولية الفصائل الإسلامية الشيعية المسلحة عن القضاء على ما سماها "فتنة تشرين".

ولكن الشعارات الأخرى التي رفعت كانت مكررة وعامة وبعضها ساذج ولا وجود لأي شعار جذري بينها. وهذا أمر يؤكد أن الذين يرفعون اسم تشرين اليوم لم يخرجوا بالدروس المناسبة من تلك التجربة، وما يزالون يكررون شعاراتها العامة والمحدودة ويتجنبون الشعارات الجذرية والحقيقية التي يحتمها واقع الحال من قبيل:

-إعادة كتابة الدستور الاحتلالي الحالي باتجاه تفكيك أسس وركائز الطائفية السياسية.

-إنهاء الهيمنة الأميركية ووقف التدخلات الإقليمية في الشأن العراقي لحماية نظام الفساد وخاصة التدخلات الإيرانية والوجود العسكري التركي.

-مكافحة الفساد بشكل جدي وتقديم الفاسدين إلى القضاء في محاكم علنية. 

إنَّ عدم رفع هذه الشعارات الملحة والجذرية يشير بوضوح إلى أن هذه القيادات والمجموعات والشخصيات التي تظاهرت اليوم لم تخرج بعد من تبعيتها لبعض القوى السياسية وخاصة للإقطاع الكردي الذي يخشى التعديل الدستوري كما يخشى الطاعون.

أو أن هذه القيادات والجماعات لا تريد إغضاب جهات خارجية بعينها وتحديداً الأميركية، فتغض النظر عن هيمنتها وانتهاكها المستمر للسيادة العراقية (أعلنت قيادات عسكرية عراقية رسمية أن القوات الأميركية انتهكت الأجواء العراقية أكثر من 177 مرة منذ الإعلان عن انسحابها نهاية الشهر الماضي) وغض النظر هذا يُعَدُّ ذروة النفاق وعدم الإخلاص للشعب ولثوابت انتفاضة تشرين ذاتها.

وأخيرا فإن تقديم رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي الشكر للمتظاهرين والقوات الأمنية (التي فاق عديدها عديد المتظاهرين) على التعاون وسيادة الهدوء، وإرساله مبعوثاً خاصة إلى ساحة التحرير لاستلام مطالب المتظاهرين ليست أكثر من حركات مجاملاتية محمودة ولكن لا يعول عليها، فلن تجد مطالب المتظاهرين عيوناً تقرأ أو آذاناً تسمع أو عقولاً تعي وتهتم بها فالقوم في شاغلَين كبيرين هما الفساد الشامل والتبعية الصارخة للأجنبي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة