لماذا أهمل أبو التاريخ هيرودوت ذكر دويلة "اليهودية/يهوذا" الصغيرة في وسط فلسطين؟
إن كلام القائلين بأن الحدث التوراتي لم يقع في
فلسطين بل وقع في عسير (كمال الصليبي، زياد منى، أحمد عيد وفرج الله ديب) أو في
اليمن (فاضل الربيعي وأحمد الدبش الذي تراجع عن آرائه في كتبه الخمسة بهذا الصدد
بشجاعة الباحث المقتدر) وكنت قد ناقشت أراءهم جميعا في كتابي " نقد الجغرافيا
التاريخية خارج فلسطين الصادر عن دار الانتشار العربي - بيروت - سنة 2021، إن
كلامهم المنكر لوقوع الحدث التوراتي في جزء من فلسطين يعني في ما يعني، الشطب على
تاريخ الشرق، طوال القرون السابقة للهجرة اليهودية من اليمن إلى فلسطين شمالا،
والتي يعتقد فاضل الربيعي بحدوثها في القرن الثاني قبل الميلاد، وبكل ما فيه.
وهو
يعني أن الحروب والثورات والهجرات وعمليات التهجير والسبي، ومنها السبي الآشوري
الأول لسكان أورشليم-القدس في القرن السابع قبل الميلاد، والسبي الكلداني الثاني
لهم في القرن السادس قبل الميلاد، وكلها موثقة أركيولوجيا في المسلات والوثائق الرافدينية
بالتفصيل، ومعها الحروب المصرية الرافدينية والمصرية الحيثية في فلسطين وعموم بلاد
الشام، وبعضها بلغ شمال الشام وجنوب الأناضول، ومعاهدات السلام، ومنها معاهدة قادش
"تل النبي مندو" بين مصر الفرعونية والحيثيين سنة 1258ق.م، أي قبل أكثر
من ألف سنة، من هذه الهجرة اليهودية المزعومة، وهي موثقة كما ذكرنا، ليس بكلام
التوراة فقط، بل بمسلات وبرديات وجداريات ما تزال قائمة حتى اليوم على نهر العاصي.
وعن قادش هذه كتب هيرودوت، وهو من أهل القرن الخامس قبل الميلاد، في كتابه "التواريخ"، ما ينسف تماما أطروحة الربيعي عن الإله اليمني "الفلس"، وأصل (الفلسطيين/ الفلشتيم) ، كتب هيرودوت (هنالك مدخل واحد معروف إلى مصر من فينيقيا إلى حدود مدينة كاديتس التي تعود إلى السوريين، ويُدعَون الفلسطينيين، ومن كاديتس، وهي مدينة أعتقد أنها ليست أقل من سارديس، من هذه المدينة تمتد محطات التجارة على ساحل البحر إلى حدود مدينة لينيسوس) ، وكان رعمسيس الثاني، أول مَن خلّد انتصاراته الحربية عند مصب نهر الكلب في لبنان الحالي، على نصب صخري ما يزال باقيا حتى يومنا هذا، ضمن مجموعة من النُّصب والمنقوشات، تشمل ثلاث مسلات مكتوبة باللغة المصرية القديمة (التي يسمونها باليونانية الهيروغليفية)، وست لوحات مسمارية رافدينية من العصرين الآشوري والبابلي الأخير "الكلداني"، وأشهر ملوكه نبوخذ نصر الثاني.
وكما
تساءلنا في معرض سردنا لأحداث تلك القرون، نتساءل هنا عن السبب الذي جعل المنفيين
اليهود في بابل، يعودون إلى مدنهم المدمرة بسبب الحروب في فلسطين، ولا يعودون الى
مملكتهم اليهودية في اليمن أو عسير؟ لماذا لم يعثر حتى الآن، وإن عن طريق الصدفة
البحتة، على رقيم فرد، أو أثر أركيولوجي واحد، باللغة العبرية أو غيرها، يدعم
رواية القائلين بجغرافية عسيرية أو يمنية للتوراة واليهودية، مقابل مئات الآثار
والأدلة المادية المبثوثة في طول وعرض فلسطين، وبلاد الشام عموما، والرافدين ومصر؟
وبهدف التوثيق أيضا، ستكون لنا وقفة نجرد نذكر فيها بالتفصيل أهم وأشهر المواقع
والمدن القديمة والآثار المكتشفة والموثقة من قبل بعثات آثارية أجنبية في فلسطين
في ختام هذه الدراسة.
ويحاجج
الربيعي بالقول (أن المؤرخ هيرودوت، الذي جال في المنطقة في القرن الخامس قبل
الميلاد، وكتب ملاحظاته لم يسمع، ومن ثم لم يسجل، كلمات تشير إلى أي من
"أورشليم" ،"يهوذا" ، "إسرائيل"،
"السامرة"، أو هدم "الهيكل"، ولا "السبي"، وذلك على
الرغم من أنه تحدث عن مواقع وأقوام تبعد عن خط رحلته آلاف الأميال) . ونذكر القارئ بأننا ناقشنا، في
الفصل السابع من هذا الكتاب، في معرض كلامنا عن الحجم الضئيل والأهمية التاريخية
شبه المنعدمة للمحمية الفارسية التي أطلق عليها "اليهودية/ يهوذا" بعد
عودة نحميا ومعه آلاف العائدين من الأسر البابلي. وقد استشهدنا بموقف المؤرخ
والرحالة هيرودوت منها وإهماله لها، وهذه خلاصة للتذكير بما كتبناه مع بعض
الإضافات:
إنَّ
دويلة "اليهودية يهوذا" الثانية، والتي كانت محمية فارسية بالمعنى
الحصري للكلمة، ليست إلا بقعة ضيقة جدا من الأرض، في أورشليم-القدس وحولها، قد لا
يتجاوز عرضها 24 ميلا. ومساحتها كما يذكر باحث آخر هو رولي خاريش حوالي 17 هكتارا
مربعا فيما كانت مساحة مدينة نينوى 720 هكتارا مربعا، أما عدد سكان أورشليم-القدس
عهد ذاك فلا يزيد على عشرة آلاف نسمة كما يقول فنكلشتاين. لنقرأ ما كتبه المؤرخ
هربرت جورج ولز، في معرض كلامه عن هذه الدويلة وسكانها (كانت حياة العبرانيين تشبه
حياة رجل يصرُّ على الإقامة وسط طريق مزدحم، فتدوسه الحافلات والشاحنات باستمرار.
ومن
الأول إلى الآخر، لم تكن "مملكتهم" سوى حادث طارئ في تاريخ مصر وسورية
وآشور وفينيقية، ذلك التاريخ الذي هو أكبر منهم ومن مملكتهم). ويضيف ظفر الإسلام
خان الذي اقتبس كلام ولز، ما يفيد، أن هيرودوت زار القدس، وذكرها وتجاهل ما عداها،
فيكتب (وقد تجاهل رحالة القرن الخامس قبل الميلاد، والمؤرخ المعروف هيرودوت، ذكر
اليهود ودولتهم ما عدا القدس، وبعض الأماكن التي لم تكن تبعد عن القدس أكثر من
عشرة أميال.
ويعلق
على موقف هيرودوت هذا د. فوكس جاكسون، الأستاذ في جامعة كامبردج، في كتابة
"يوسف واليهود"، قائلا "إن تفسيره بسيط غاية البساطة. لقد كانت
"يهوذا = اليهودية"، غاية في الصغر، وكان سكانها من التفاهة من حيث
العدد، لدرجة أن أذكى وأبصر السواح في القرن الخامس قبل الميلاد هيرودوت، كان يزور
ما كانت تسمى فلسطين السورية، أو سورية الفلسطينية، وقد لا يسمع عن اليهود شيئا
أبدا. ولا بد ان القدس كانت في أيام حاكمها نحميا المعاصر لهيرودوت، مدينة خاملة
الذكر جدا، بحيث لا تغري سكان المناطق المجاورة لها بسكنها إلا بشق الأنفس. والأجدر
بالملاحظة من تفاهة عدد اليهود في فلسطين في زمن نحميا (445 – 432 ق.م)، هو أن
رقعتهم ظلت ضيقة، كما لا يبدو انهم تكاثروا في البلاد لما يقرب من ثلاثة قرون ...
ولكن اليهود لم يصبحوا قوة في البلاد إلا حوالي منتصف القرن الثاني ق.م خلال فترة
حكم الميكابيين. وما من شك، في أنهم كانوا عديدين في بابل ومصر أما في فلسطين
فكانوا قلة تافهة) .
ثم
إنَّ ذكر الرحالة هيرودوت لاسم مدينة زارها فعلا وبشكل خبري، أو عدم ذكره له، أمر
لا يعول عليه دائما في كتبه، ولا يعتبر دليلا على عدم وجود تلك المدينة، فمن
المعروف، أنه زار بابل العاصمة الإمبراطورية السابقة والمحتلة من الفرس الأخمينيين
آنذاك، ولكنه لم يذكر أنه زارها، وهذا ما يذكره عبد الله أبو أيمن نقلا عن أحد
الموسوعات التاريخية الرقمية، كما يبدو، حيث وردت العبارة في مقالة له كتب
فيها(رغم استخدامه –هيرودوت - لعبارات يستدل منها أنه زار بابل إلا أنه لم يزعم
انه كان قد زارها) ، وهناك من يقول إنه قد ذكر أنه زارها، ربما اعتمادا على وفرة
المعلومات والمشاهدات عن الحياة اليومية فيها آنذاك، وهذا ما نجده في العرض الممتع، والغني بالمعلومات، الذي
يقدمه د. صباح الناصري ، لما ورد في كتاب "التاريخ" لهيرودوت، عن زيارته
لبلاد الرافدين، وخصوصا مدينة بابل، حين كانت تحت الاحتلال الفارسي الأخميني.
*الصورة: عن موقع الجيش اللبناني الذي كتب عنها: حفر الفرعون رعمسيس الثاني (1279 – 1213 ق.م.) ثلاثة نقوش على الضفة اليسرى لنهر الكلب، وذلك بعد انتصاره على الحثيين. فمصر كانت على خصومة مع الدولة الحثّية، وفي العام 21 من حكم هذا الفرعون، انتهت الخصومة وحلّ السلام بين الطرفين وأعلن ذلك عبر النقوش التي وصف فيها رعمسيس الثاني أيضًا فتوحاته العديدة. لكن للأسف، أحد هذه النقوش – وهو عبارة عن صفحة كبيرة بالهيروغليفية، تظهر رعمسيس ممسكًا بشعر أسير أمام الآلهة «أمون - رع» – أزالته البعثة العسكرية الفرنسية التي أرسلها الإمبراطور نابليون الثالث بقيادة الجنرال دي بوفور، إلى بيروت وجبل لبنان على أثر حوادث 1860 – 1861. فالقائد الفرنسي، لم يكلّف نفسه عناء نحت صخرة جديدة بل أزال النقش المصري القديم ووضع مكانه رقمًا يخلّد ذكرى حملته. إذًا كان رعمسيس الثاني، أول من بدأ بحفر النقوش على صخور نهر الكلب تخليدًا لذكرى انتصاراته العسكرية، وربما أيضًا لوضع علامات للحدود الشمالية لمملكته.
*نشر نص المقالة كجزء من فصل ضمن كتابي "نقد التجربة التوراتية خارج فلسطين –دار الانتشار العربي
- يروت - 2021". متوفر في موقع نيل وفرات على الانترنيت" تحت هذا الرابط:


تعليقات
إرسال تعليق