حول السؤال العقيم والساذج: أيهما تختار، الوطن أم العقيدة؟!

 


إنَّ الأسئلة التي تنطلق من مقدمات خاطئة تكون خاطئة تلقائياً، ولا تؤدي إلى إجابات صحيحة بالضرورة! فمثلا؛ أيهما تختار الوطن أم العقيدة؟ هذا السؤال الخاطئ ينطلق من افتراض ساذج يضع الوطن في تعارض ضدي مع العقيدة، أي عقيدة كانت. الترجمة الانثروبولوجية الاجتماعية لهذا السؤال اليوم، في ظروف الاستقطاب الطائفي، وبمناسبة محددة هي تكريم ممثلة عراقية (شيعية مثَّلت أدوارا تحسب على الدعاية السياسية الشيعية) من قبل السفارة الإيرانية هي:

إذا سأل شخص مناهض للأحزاب الشيعية أو لإيران أو لكليهما، وأحيانا حتى إذا كان السائلُ شيعيا من حيث الانتماء الأسري، هذا السؤال سيكون المعنى المضمر: هل أنت وطني أم شيعي؟ المعنى المضمر نفسه من حيث الجوهر يبقى إذا سأله شخص مناهض للعرب السنة والسعودية ومؤيد لإيران بالمطلق لشخص سني فهو يعني: هل أنت وطني أم سني؟

لا علاقة هنا للعقيدة رغم غموض الكلمة المفتعل تعريفيا هنا بالموضوع، وإلا لكان يمكن الرد على السؤال من الطرفين (الشيعي والسني) بالقول:

-أنا مسلم أعتز بعقيدتي (أو ديني) وأحب وطني معا ولا أجد تعارضا بين هذا وذاك. ولكن السائل الذي اتخذ دور الجلاد البشع في مديرية الأمن العامة في "الزمن الجميل" لا يريد أجوبة كهذا الجواب: أحب وطني وأضحي من أجله ومؤمن بعقيدتي وأدافع عنها وعن مقدساتها! إنه يريد جوابا قاطعا يتبرأ من أحد طرفي المعادلة الزائفة المصطنعة. فإما أنْ يتبرأ من عقيدته ليكون "وطنيا صالحا" في نظر السائل، أو يتبرأ من الوطن ويختار عقيدته الطائفية ليوصم بالخيانة والذيلية ...إلخ من مصطلحات سوقية سائدة في عراق اليوم.

إذن، لأن ظرف الاستقطاب الطائفي ووجود حكم محاصصة طائفية فاسد حتى النخاع، يوزع فيه غنائم الفساد بالحصص حسب وزن السكاني يقلب حقيقة الأشياء المادية والمعنوية سواء كانت الوطن أو العقيدة، فإن معاني وتعاريف الأشياء كالعقيدة والوطن والانتماء تتغير وتحمل بحمولات ساذجة لا هي من العلم ولا هي من الثقافة في شيء. وفي مناخ اجتماسي وسخ كهذا من المفترض أن يربأ المثقف والباحث والإنسان الحر عموما بنفسه عن الخوض في هذا المستنقع الضحل ويكتفي بالتحذير من الخوض فيه. ويمارس حقه في نقد المقدمات الخاطئة التي أدت إلى أسئلة خاطئة كهده، أسئلة عمياء لا تبحث عن جواب بمقدار ما تبحث عن استفزاز "رأس المال الرمزي" الطائفي أو العرقي للمواطن من الهوية الفرعية المقابلة وتلك هي سيرورة الحرائق الطائفية الصغيرة إذا توفر لها الحطب اللازم وما أكثره في عراق اليوم للأسف!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة